

هو المحل المعد للمؤذن لإقامة الأذان للصلوات الخمس اليومية ، ولا شك أن التسمية عربية لا غبار عليها ، ولكن هذا البناء الهندسي يعود جذوره إلى الحضارات التي سبقت الإسلام حيث كان المؤذن بلال الحبشي هو أبو عبد الله بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأحد السابقين إلى الإسلام توفي في دمشق عام 20 هـ.
و أن بلالاً كان يرتقي أسطوانة مرتفعة فيؤذن عليها ، وقيل وضع له شيء مرتفع على سطح المسجد فكان يؤذن من فوقه، عند حلول أوقات الصلوات الخمس اليومية وذلك منذ السنة السابعة للهجرة .
ولا يخفى أن الإنسان كان قد بنى الأبراج العالية للإستفادة منها لأغراضه الخاصة وأطلق عليها أسماء مختلفة حسب استخداماته المتنوعة ، فمنها المنار للإعلام عن حرب وغيرها ، ومنها الأبراج لاستقبال وإطلاق الحمام الزاجل للخدمة البريدية ، ومنها الصوامع لضرب الناقوس، ومنها المسالح لمراقبة العدو، و منها الفنار لإرشاد السفن ، ومنها المحجة لتحديد المناطق إلى غيرها من استخدامات وتسميات .
أما الهيكل الهندسي الذي استخدمه المسلمون كمئذنة في بادئ الأمر فكان المنارة التي كانت تستخدم للإرشاد أو الصومعة التي كانت تستخدم لضرب الناقوس إشعاراً بوقت العبادة .
ولكن المستشرق الألماني كوهنل يرى أن المسلمين تأثروا بأبراج المراقبة في تدمر ببادية الشام حيث يذكر : « إن منارة المسجد التي أقيمت به للأذان خاصة فالمرجح أنها مأخوذة من الفنارات وأبراج الإشارة المعروفة في العصور السابقة وبخاصة القبور التدمرية ».
ويرى البعض أن الجمع بين الرأيين هو أن المسلمين والنصارى أخذوا المآذن والصوامع من فكرة أبراج المعابد في بادية الشام، ولكن التحقيق يفيدنا أن المسلمين في الشام تأثروا بالكنائس ، والمسلمين في إيران وما وراء النهرين تأثروا بالمنار وهذا هو الذي جعل مآذنهم بشكل عام مبنية على شكلين هندسيين مربع ومدور .
ولكن الحقيقة أن الكثير من مآذن الأحناف كانت مربعة بينما كان الكثير من مآذن الموالك إسطوانية ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية إذا كان لبناء المآذن سبب مذهبي فما بال المذاهب الإسلامية الأخرى لم تتخذ طرازاً خاصاً لمآذنها ، فالصحيح إذاً أن الطراز المعماري في الإسلام تاثر بحضارة المنطقة التي سكنها المسلمون أو التي دخلها الإسلام ، فالعراق وما جاوره من بلاد الشرق الإسلامي تأثروا بشكل عام بالحضارة البابلية والفارسية وحضارة ما وراء النهرين ، وأما أهل المغرب والشام فقد تأثروا بالحضارة البيزنطية والرومانية ، فالحضارة الأولى كانت تبني أبراجها بشكل أسطواني ويغلب على بنائها وهندستها المعمارية الشكل الدائري والمنحني ، في حين أن الحضارة البيزنطية والرومانية كانت تبني صوامعها وأبراجها بطراز مضلع أو مربع وهي الميزة الغالبة لعامة مبانيها وهندستها للأشياء ، وهذا لا يعني أن كلتا الحضارتين لم تتأثر إحداهما بالأخرى ، ويؤيد ذلك ما جاء أن والي المدينة عمر بن عبد العزيز الأموي وفي عهد الوليد بن عبد الملك عندما أتم بناء مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة أرسل وراء
أبان بن عثمان وقال مفتخرا : « أين بنياننا من بنيانكم ـ حيث أضاف للمسجد المئذنة والمحراب والزخرفة ـ فأجابه على الفور : بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس ».
وحاصل الأمر أن المسلمين أخذوا فكرة المآذن من الحضارات التي سبقتهم وأضافوا إليها وطوروها حتى أصبحت فناً إسلامياً رائعاً ومتفرداً أبدى فيه المعماريون والمهندسون المسلمون آيات الإبداع والفن .
هذا ويمكن تضنيف هندسة المآذن إلى الأشكال التالية :
1ـ المربعة : وقد شاعت أثناء العهد الأموي في الشام وتوابعها كما هو الحال في الجامع الأموي بدمشق إلى يومنا هذا
2ـ المخروطة : وقد شاعت في العهد العباسي كما هي موجودة في مدينة سامراء المقدسة التي تقع إلى الشمال الغربي من بغداد بحوالي ( 124 كلم ) وتوجد في المدينة مئذنتان باسم الملوية ، الكبيرة منها بناها المتوكل العباسي ما بين 232 ـ 238 هـ ، وقيل إنها بنيت على غرار الأبراج البابلية القديمة، والملوية الثانية باسم ملوية أبي دلف، وكما هي موجودة في بغداد .
3ـ الاسطوانية : وقد شاعت في العهد العثماني كما هو الحال في تركيا وإيران وشرق أوروبا وغيرها من بقاع العالم الإسلامي .
4ـ المضلعة : التي شاعت في العهد الفاطمي كما هو الموجود منها في القاهرة إلى الآن ، وربما بالامكان إضافة بعض التصاميم المعمارية المغايرة الأخرى في بناء المآذن إلا أن جوهر التصاميم جميعها يخضع لهذه الأشكال الهندسية الأربع .
هذا وقد ذكرنا أن الطراز المعماري للمآذن الإسلامية أخذ بالتطور بسبب التعديلات والتحسينات التي أدخلها الفنانون والمعماريون المسلمون في هذا المجال حتى أصبحت الأشكال والتصاميم الهندسية للمآذن متفاوتة ومتغايرة إلى حد بعيد في الشكل والهيكل إذا أخذنا بالحسبان شكل القاعدة والهيكل والقمة وما أضيف لهما من مقصورات ونقوش وزخارف هندسية غاية في الروعة والفن ، وإذا ما تعمقنا في هذا لطال بنا المقام فلا بد إذاً من العروج إلى المآذن المبنية في العتبات المقدسة الخاصة بأئمة أهل البيت عليهم السلام وأخص منها بالذكر مئذنة مرقد الإمام الحسين عليه السلام وأخيه العباس عليه السلام.
وقبل أن ندخل في تفاصيل مآذن أهل البيت عليهم السلام ونبدأ بوصفها لا بد من ذكر ميزة أساسية تفردت بها وهي كسوتها بالذهب ، فقد أصبح معروفاً عن الشيعة إكساءهم لقباب ومآذن أئمتهم وأوليائهم بالذهب ، وأما عن صفات هذه المآذن فهي كالآتي :
1ـ شكلها الهندسي بصورة عامة أسطوانية .
2ـ طولها يتفاوت بين ثلاثين وأربعين متراً .
3ـ لها مقصورة واحدة في بداية الثلث الأخير .
4ـ على قمتها جوسق مضلع مستدق النهاية أشبه ما يكون بالتاج .
5ـ فوق الجوسق رمانة تنتهي القبة بشكل هندسي شبيه بالرمانة مصنوع من المعدن المطلي بالذهب.
بهذه الصفات المشتركة الخمس مضافاٌ إلى التذهيب يمكن تعريفها بما يزيل الغموض عنها .
أما شكلها الأسطواني فقد سبق وقلنا إنه مأخوذ من الحضارة الفارسية والحضارة البابلية وحضارة ما وراء النهرين التي كانت تستخدم هذا البناء الهندسي كأبراج للمنام والإرشاد والحراسة .
وأما ارتفاع مآذن العتبات المقدسة فيتراوح بين خمسة وثلاثين متراً أو أربعين متراً ، ففي النجف وكربلاء يبلغ ارتفاعها خمسة وثلاثين متراً وفي الكاظمية نحو أربعين متراً .
ولا يخفى أن هنالك مآذن أخرى تفوقها ارتفاعاً كما في مآذن اسطنبول ، وفي هذا الصدد فإن مئذنة جامع الأمير عبد القادر المشيد عام 1412 هـ في مدينة قسنطينة بالجزائر قد ضربت رقماً قياسياً في الارتفاع حيث بلغ ارتفاعها مئة وسبعة أمتار.
وتعد اليوم أكبر مئذنة هي مئذنة مسجد الملك الحسن الثاني في الدار البيضاء في المغرب حيث يبلغ ارتفاعها مئتي متر.
--------------------------------------------------
(*)عن موسوعة دائرة المعارف الحسينية ـ تاريخ المراقد – الجزء الأول