
ليس هناك وثيقة مدوّنة تستقصي تاريخ سدانة الحائر الحسيني، وأسماء السدنة منذ تشييد البناء على القبر الشريف، و بعبارة أدق منذ انهيار الحصار المسلح الذي فرضه الأمويون والعباسيون - ولو بشكل متفاوت - على المرقد الشريف، وذلك للتعتيم الإعلامي والحيلولة دون التزوّد من زيارة قبره الشريف، ويمكن اعتبار غموض تاريخ السدانة من عام (132 هـ) حتى منتصف القرن العاشر الهجري.
إن تاريخ السدانة في هذه الحقبة يكتنفها الغموض، ولم يرد ذكرها في المصادر التاريخية إلا عرضاً وفي أزمنة متباعدة، وجلّ ما نعرفه عن السدانة في وقتها المبكر أن أم موسى وهي نفسها أم الخليفة المهدي قد صيرت على القبر خدمة يتولون شؤونه ويقومون بخدمته، وقد أجرت لهم راتباً معيناً. وحذا الرشيد حذوها في ذلك بادئ أمره، فكان هؤلاء أول سدنة رسميين للحائر الشريف(1). ويرد ذكر السدانة بصورة صريحة لأول مرة في كتاب (فرحة الغريّ) لابن طاووس، فعندما زار عضد الدولة فنا خسرو البويهي كربلاء سنة 371 هـ أجزل في العطايا لأهل كربلاء (كل طبقة على حدة) ومن جملة من أجزل له: الخازن والبواب على أيدي أبي الحسن العلوي وعلى يد أبي القاسم بن أبي عابد وأبي بكر بن سيار(2).
ومن المحتمل أن تكون سلطة الخاون (السادن) - كما سمي فيما بعد - في ذلك العهد مقصورة على الحماية بمرقد الإمام الحسين (عليه السلام) وشؤون زواره، دون أن تمتد لتشمل المدينة ذاتها.
والراجح أن يكون نقيب الأشراف هو الذي يتولى المهمة الأخيرة لكثرة عدد العلويين النازلين في البلدة الناشئة آنذاك(3).
وبعد سقوط بغداد بأيدي المغول سنة 656هـ تبدأ الفترة المظلمة من تأريخ العراق، لندرة المصادر التي تتحدث عن هذه الفترة، فليست لدينا أية معلومات تتعلق بسدانة الروضتين الحسينية والعباسية. ومن ثم فقد تولى الخازنية في أوائل القرن الثامن الهجري رجال من قبيلة بني أسد التي كانت تفرض هيمنتها على النواحي القريبة من البلدة.
غير أن الرحالة (ابن بطوطة) يشير في رحلته (تحفة النظار) إلى أن نزاعاً نشب بين قبـيلتين علويتين آل فائز وآل زحيك في كربلاء، وبسبب هذا النزاع تخربت المدينة(4). وتشير بعض المصادر إلى أن سبب النزاع هذا هو تولي نقابة الحائر وسدنة المشهد الحسيني، حيث إن السدانة كانت لآل فائز(5).
وفي منتصف القرن الثامن الهجري، كان المتولي لمرقد الحسين الشيخ محمد شمس الدين الحائري الأسدي، ويشير إلى ذلك الشهيد الثاني في إجازته التي كتبها في الحائر الحسيني، فهو من الرواة الثقاة عند الإمامية ويروى عنه الحديث(6).
يقول الدكتور عماد عبد السلام رءوف: وقد قدمت القبيلتان العلويتان اللتان كانتا تتوليان نقابة الأشراف بالتعاقب وهما آل فائز وآل زحيك معظم الرجال الذين تولوا منصب الخازنية، بيد أن ذلك لم يقض على استقلال المنصب، أو يقلل من صلاحياته الإدارية، لان الصيغة التي اتبعتها القبيلتان في التولية كانت كالآتي، تقوم إحدى القبيلتين بتولي مؤسسة النقابة، بينما تتولى الأخرى مؤسسة السدانة، ومن المحتمل أن تتبادل القبيلتان (أو ما انبثق عنهما من أسر) مواقعهما في تولي هذه المؤسسة أو تلك، إلا أن ذلك لم يكن يقضي على صيغة لقاسم السلطة الإدارية بينهما، ومن ثم اتسمت العلاقة بين المؤسستين غالباً، بنوع من التوازن في صلاحياتهما ونفوذهما.
ومن مظاهر قوة السدانة وتليها السلطة الفعلية في المدينة، أنها نجحت في تزعم قوى المدينة الشعبية للدفاع عنها في أثناء غارات الوهابيين في السنوات (1216هـ - 1220 هـ)، وفي أثناء حملة محمد نجيب باشا سنة (1258 هـ) المعروفة بوقعة غدير دم. وبلغت هذه المؤسسة ذروة القوة حينما ضمت إليها نقابة الأشراف وحكومة البلد رسمياً في بعض تضاعيف العقد الرابع من ذلك القرن، ولكن القوة هذه تدهورت بسرعة بعد أن ضربت المدينة أثناء وقعة غدير دم واقتحامها، فتولى السدانة فيها لأول مرة منذ أكثر من قرنين - رجال من اسر غير علوية أصلاً، واستمرت السدانة بأيديهم حتى نهاية الحكم العثماني وما بعده(7).
وإلى القارئ قائمة بأسماء سدنة الروضة الحسينية بموجب الوثائق الرسمية التي اطلعنا عليها منذ القرن العاشر حتى يومنا هذا:
(1) شمس الدين بن شجاع القاضي الحائري الأسدي الذي له شهرة كبيرة ومكانة علمية سواء في الأصول أو في الفروع واخذ الإجازة بالرواية من الشيخ زين الدين المعروف بالشهيد الثاني. وقد تولى سدانة الروضتين الحسينية والعباسية قبل شوال عام 963 هـ وبقي إلى ما بعد 990 هـ.
(2) جعفر شمس الدين الحائري كان سادنا عام1025 هـ.
(3) محي الدين بن علي الحائري الأسدي سنة 1025 هـ.
(4) السيد محمد الدراج بن سليمان بن سلطان كمال الدين من آل زحيك الموسوي تولى السدانة سنة 1032 هـ حتى سنة 1049 هـ.
(5) إبراهيم شمس الدين الحائري قبل سنة 1075 حتى 1106 هـ.
(6) السيد محمد منصور بن حسين بن محمد قاسم الزعفراني الرضوي تولى السدانة سنة 1106 حتى عام 1125 هـ.
(7) السيد حسين بن محمد الزعفراني الرضوي سنة 1125 حتى 1139 هـ.
(8) السيد علي بن محمد منصور الزعفراني الرضوي 1139 - 1165هـ.
(9) السيد مهدي بن محمد منصور الزعفراني الرضوي 1165 - 1204هـ.
(10) السيد موسى بن محمد علي بن محمد الحائري آل الوهاب تولى السدانة سنة 1204 حتى سنة 1206 هـ.
(11) السيد حسين الصحاف تولى السدانة سنة 1206 حتى سنة 1215 هـ.
(12) السيد جواد بن كاظم آل نصر الله من آل فائز الموسوي تولى السدانة سنة 1217 حتى 1218 هـ.
(13) السيد محمد علي بن عباس آل طعمة من آل فائز الموسوي تولى السدانة سنة 1218 حتى سنة 1240 هـ.
(14) السيد عبد الوهاب بن محمد علي بن عباس آل طعمة تولى السدانة وحكومة البلد أيضاً سنة 1240 حتى سنة 1241 هـ.
(15) السيد محمد علي (أبو ردن) بن شرف الدين من آل فائز الموسوي تولى السدانة سنة 1241 حتى سنة 1245 هـ.
(16) السيد حسين مرتضى بن محمد علي آل دراج من آل زحيك تولى السدانة سنة 1245 حتى سنة 1247 هـ.
(17) السيد عبد الوهاب بن محمد علي آل طعمة (عُيَّن ثانية) سنة 1247 حتى سنة 1259 هـ. حيث ترك كربلاء على أثر تسنم نجيب باشا الحكم مما دفعه بعد دخوله كربلاء وزيارته الصحن الحسيني المقدس - أن يعيّن الحاج مهدي كمونه سدانة الروضة الحسينية بموجب (البيورلدي) وهو أمر كان يصدره الوالي العثماني ومعناه بالعربية (الهامش) وهو غير الفرمان.
(18) الشيخ مهدي بن محمد كمونه عُيَّن سادناً سنة 1259 حتى سنة 1272 هـ. بموجب أمر الوالي العثماني.
(19) الشيخ حسن بن محمد كمونه عُيًّن سادناً سنة 1272 حتى سنة 1292 هـ. تولى السدانة بعد وفاة أخيه الخازن السابق.
(20) السيد جواد بن حسن بن سلمان آل طعمة عُيَّن سادناً سنة1292 حتى سنة 1309 هـ. من قبل الوالي العثماني حيث أصدر البلاط العثماني حينذاك إرادة سلطانية (فرمان) بتوليته بعد أن دفعت أسرته البدل المقرر لذلك وقدره ألف ليرة عثمانية وكان ذلك عام 1292 هـ.
(21) السيد علي بن جواد بن حسن آل طعمة عُيَّن سادناً سنة 1309 حتى 1318هـ.
(22) السيد عبد الحسين بن علي بن جواد آل طعمة عُيَّن سادناً سنة 1318 حتى 1347 هـ.
(23) السيد عبد الصالح بن السيد عبد الحسين آل طعمة عُيّن سادناً سنة 1347 حتى سنة 1401 هـ.
(24) السيد عادل بن السيد عبد الصالح بن السيد عبد الحسين آل طعمة عُيَّن سادناً سنة 1401 حتى انتفاضة سنة 1411 هـ. 1991 م.
(25) السيد عبد الصاحب ناصر نصر الله عُيَّن سادناً سنة 1412 هـ. 1992 م حتى سقوط النظام الصدامي في 9/4/2003 م - المصادف1424هـ.
(26) عيّنت المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، إدارة شرعية لرعاية العتبات أصطلح عليها بـ (اللجنة العليا لإدارة العتبات المطهرة في كربلاء المقدسة) بعيد سقوط النظام البائد سنة 1424هـ. 2003م، وذلك بعضوية العلامة الحجة السيد محمد الطباطبائي (قدس سره)، والعلامة السيد أحمد الصافي، والعلامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي.
(27) تم تعيين سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي أمينا عاما للعتبة الحسينية المقدسة بأمر من ديوان الوقف الشيعي ومباركة المرجعية الدينية العليا النجف الأشرف.
----------------------------------------
الهوامش
(1) تاريخ الطبري ج10 ص118 (طبعة لندن).
(2) فرحة الغري: السيد ابن طاووس، ص40.
(3) الأسر الحاكمة ورجال الإدارة والقضاء في العراق: د.عماد عبد السلام رءوف، ص363.
(4) تحفة النظار: ابن بطوطة، ص111.
(5) مجلة (الأقلام): ج10 السنة الرابعة ص124، مقالة (كربلاء في العهد المغولي الأيلخاني بقلم: السيد عادل عبد الصالح الكليدار.
(6) مستدرك الوسائل: للشيخ النوري، ج3.
(7) الأسر الحاكمة ورجال الإدارة والقضاء في العراق: د. عماد عبد السلام رءوف، ص364.