عودة | تكبير | تصغير

خطبتا صلاة الجمعة (26 رجب 1431 الموافق 9 تموز 2010 ) بإمامة الشيخ الكربلائي

1436
تاريخ النشر 13 شعبان المعظم 1431 | 25/07/2010

الخطبة الأولى

بدءاً أود تناول المسيرة الولائية التي انطلقت لزيارة الإمام الكاظم ( عليه السلام) ومن ثم ما يجب تغييره في واقع الفرد والمجتمع على ضوئها.. إذا تأملنا في منهجنا ، سنجد إن هناك ضرورة للترابط بين هذين الأمرين،أعني المسيرات الولائية التي لابد من استمرارها لأنها تعبر عن عميق ولائنا وارتباطنا بالأئمة الأطهار(عليهم السلام) وتجدد استعدادنا للتضحية من أجلهم أولاً، وضرورة ترجمة سيرة الإمام الكاظم ( عليه السلام) بجهاده وصبره وأخلاقه إلى واقع معاش، ومحاولة المطابقة بينهما ثانياً.

إذن لابد أن نراجع سيرتنا وحياتنا وأخلاقنا ونحاكمها على ضوء سيرة أهل البيت(عليهم السلام) وقطعاً سنجد إن هناك بوناً شاسعاً بينهما بواقع حياتنا سواء عبر الارتباط الروحي بالله تعالى أو الاهتمام بالجانب الأخلاقي ..وسنكتشف الكثير من الصفات لدينا،البعيدة عن أخلاق أئمتنا كالحدة وسرعة الانفعال وعدم التفاهم مع الآخرين وعدم الصفح والعفو عن المسيء وعدم احترام النظام العام وغيرها..من المهم تقوية الارتباط والاتصال الروحي بالله تعالى من خلال الحرص على أداء العبادات والتوكل على الله تعالى في حل مشاكلنا وقضاء حوائجنا والثقة بنصر الله تعالى وتأييده. من خلال وعي حقيقة العبادات الإسلامية وروحها لكي توصلنا إلى التغيير في أنفسنا ، فنؤدي الصلاة بحيث تؤدي بنا إلى أن نجتنب المنكرات جميعاً ونلتزم بالأحكام، ونصوم فيوصلنا إلى تقوى الله تعالى وكذلك بقية العبادات..ومن ثم الانشداد والتعلق بالآخرة والزهد في الدنيا .. فعلينا أن نستحضر كيف كان الإمام الكاظم (عليه السلام) يعيش زاهداً في الحياة الدنيا فلا يبحث عن حطامها وملذاتها بل كله توجه وانقطاع إلى الله تعالى وليس في بيته كما تنقل الروايات إلا ذلك السيف المعلّق والحصير.

هناك رواية عن أحد كبراء المعادين للإمام الكاظم (عليه السلام) وتحريضه لأحد أتباعه للتعرض للإمام بمسك بزمام دابته والإدعاء بأنها له ، وإن الإمام أخذها منه بغير حق للانتقاص من شأنه (عليه السلام) فماذا فعل الإمام ؟!!هل دفعه؟ وهل قال له هذه لي أو اخذ يجادله أو غير ذلك من الأمور؟! أبداً الذي فعله نزل عن دابته وأعطاها لذلك الرجل، فقد عرف مراده . وهناك وصية جميلة للإمام (عليه السلام) كان يوصي بها أبناءه: " يا بني إني أوصيكم بوصية من حفظها انتفع بها في الدنيا والآخرة ..إذا آتاكم آت فاسمع أحدكم في الأذن اليمنى مكروهاً ثم تحول إلى اليسرى فاعتذر له وقال : إني لم اقل شيئاً ، فاقبلوا عذره".

وكذلك السعي في قضاء حوائج المؤمنين والتفريج عن كربهم وهمومهم بقدر المستطاع، خاصة لمن يملك سلطة ويتبوأ مسؤولية في الدولة..فعلي بن يقطين من أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام) وكان وزيراً عند هارون الرشيد وأمره الإمام ( عليه السلام) بالبقاء في ذلك الموقع ، جاءه ذات يوم إبراهيم الجمّال وهو احد أصحاب الإمام (عليه السلام) وطلب منه قضاء حاجة، فحجبه ولم يستقبله ولم يسمع منه تلك الحاجة التي جاء بها..بعد فترة ذهب علي بن يقطين إلى المدينة للحج وجاء إلى الإمام (عليه السلام) ليزوره، فحجبه عنه، ومنعه من الدخول عليه مع إنه من المقربين، لكي ينبهه إلى سوء تصرفه ذاك، ويعظه وينصحه من هذا الخطأ الذي وقع فيه..ثم جاء علي بن يقطين ثانية إلى الإمام (عليه السلام) وقال له : لماذا حجبتني ومنعتني؟ وما الذنب الذي ارتكبته حتى منعتني من الدخول؟! فقال الإمام (عليه السلام) :حجبتك لأنك حجبت أخاك إبراهيم الجمال وقد أبى الله أن يشكر سعيك أو يغفر لك إبراهيم الجمّال، فقال يا سيدي ومولاي من لي بإبراهيم الجمّال في هذا الوقت وأنا في المدينة وهو في الكوفة..فقال الإمام(عليه السلام) إذا كان الليل فامض إلى البقيع وحدك من غير أن يعلم بك أحداً من أصحابك وغلمانك، واركب نجيباً هناك مسرجاً،ففعل ولم يلبث أن أناخه هذا النجيب المسرج على باب إبراهيم الجمّال في الكوفة..فقرعها، فأجاب إبراهيم الجمّال من داخل الدار.. فقال علي بن يقطين: يا هذا إن أمري عظيم، وظل يلح عليه أن يأذن له بالدخول..فقال يا إبراهيم إن المولى أبى أن يقبلني أو تغفر لي ، فقال: يغفر الله لك ، فآلى عليه أن يطأ خده فامتنع إبراهيم عن ذلك فآل عليه ثانياً وظل يلح عليه..فلم يزل إبراهيم يطأ خده وعلي بن يقطين يقول اللهم اشهد..ثم انصرف وركب النجيب وعاد إلى المدينة في ليلته عند باب المولى موسى ابن جعفر في المدينة فأذن له ودخل عليه فقبله..والسؤال على أي شيء يريد أن يربينا الإمام (عليه السلام) ويربي المسؤولين في الدولة؟ إنه يريد أن يقول أيها المسؤول لا تنظر إلى عامة المواطنين على إنك رئيس وتتعالى عليهم ولا تسمع منهم ولا تسعى في قضاء حوائجهم، بل اجعل نظرتك إلى أحدهم على انه أخ لك في الدين والإنسانية.

الخطبة الثانية

استنكر ممثل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف وخطيب صلاة الجمعة في مدينة كربلاء المقدسة اعتداءات الارهابية التي طالت زوار الامام الكاظم عليه السلام على ايدي العصابات التكفيرية، والتي راح ضحيتها العشرات من الشهداء والجرحى.

وقال سماحة الشيخ (عبد المهدي الكربلائي) في خطبة صلاة لجمعة (26 رجب 1431 الموافق 9 تموز 2010) "لقد سقط خلال الزيارة المليونية التي قام بها محبّوا اهل البيت ( عليهم السلام) للعزاء باستشهاد الامام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) العشرات من الشهداء والمئات من الجرحى بسبب التفجيرات التي قام بها العصابات التكفيرية. وان هذه المسيرة الولائية التي خضبّت شوارع بغداد بدم الشهادة والتضحيات هي جزء من المسيرة التاريخية المخضبة بالدم الممتدة عبر مئات السنين والتي قدّمها اهل البيت ( عليهم السلام) واتباعهم على ارض العراق وغير العراق ".

واضاف سماحته "لقد كان الشعار الذي رفعه اهل البيت ( عليهم السلام) وصار نبراساً ومنهاجاً لاتباعهم عبر التاريخ هو (القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة ) هذا الشعار الذي تشرّب به دم الموالين لأهل البيت ( عليهم السلام) صار مبعثا لفخرهم وعزهم وشرفهم وثباتهم وصمودهم عبر التاريخ ...وهو سر النصر والتأييد الالهي لاتباع اهل البيت ( عليهم السلام) عبر مئات السنين من الابتلاءات والمحن والاضطهاد".

وتابع سماحته " ونحن نقول للتكفيرين والعصابات الشريرة المعادية لنهج اهل البيت ( عليهم السلام) ان هذه المسيرات المليونية المصطبغة بالدم ستحفظ لنا قوة انتمائنا لمدرسة اهل البيت ( عليهم السلام ) الذين هم عِدل القرآن وهي مصدر عزتنا وشرفنا وثباتنا على المبادئ ... وسوف لا ترهبنا هذه الاعمال الاجرامية مهما بلغت من الوحشية ومهما بلغت التضحيات .... فان الله تعالى قد وعد بالنصر والتأييد لمن هو على استعداد لنصرته وتأييد دينه إن تطلب ذلك تقديم التضحيات والقرابين في سبيله ".

من جانب آخر جدد ممثل المرجعية الدينية العليا مطالبته من اعضاء البرلمان الجديد والكتل السياسية الفائزة بالانتخابات الى حسم مسالة تشكيل الحكومة وتغليب المصالح العليا على المصالح الحزبية والشخصية من اجل عدم فسح المجال لبعض الاطراف الخارجية للتدخل في هذا الشان. مؤكدا على ان يكون حسم هذا الشان من قبل العراقيين انفسهم. وبين ان المرجعية الدينية العليا تراقب الوضع السياسي عن كثب وهي في متابعة يومية مستمرة لتطورات الحوارات بين الكتل السياسية، حيث قال في هذا الشان "يُبدِي جميع المواطنين والقوى الاجتماعية ومن يهمه امر الوضع السياسي في العراق والحريص على مصالحه القلق وعدم الارتياح – مع تضيّق الوقت واقتراب الموعد الدستوري لاختيار رئيس البرلمان والجمهورية – من عدم وجود انفراج وتقدّم ملحوظ وظاهر في حوارات الكتل السياسية ".

واضاف سماحته " ان المأمول ممن انتخبهم المواطنون تقديم المرونة الكافية وتغليب المصالح العليا وإظهار هذه الكتل لقدرتها على حلحلة الاوضاع السياسية ،ولابد من الحسم من قبل العراقيين أنفسهم قبل ان يضغط عامل الوقت وتتدخل بعض الاطراف الخارجية للضغط من اجل الوصول الى حَلِّ .. وهذا عيب على هذه الكتل السياسية ... بل لابد ان تسعى هذه الكتل وتُظهِر للآخرين حرصها على مصالح العراق وقدرتها على اتخاذ القرارات الحاسمة في الاوقات الصعبة ".

وتابع سماحة الشيخ الكربلائي "ان الاصرار من قبل بعض الاطراف السياسية على قناعاتها السياسية حتى وان كانت بحسب وجهة نظرها صحيحة من دون النظر الى التعقيد الذي يكتنف العملية السياسية وواقع الحال الذي يعيشه العراق حالياً ومراعاة المصالح العامة والحرص على مراعاة المبادئ الدستورية سيؤدي الى تعقيد الاوضاع وعدم الوصول الى حَلٍّ سريع، وان المرجعية الدينية العليا تراقب الوضع السياسي عن كثب وهي في متابعة يومية مستمرة لتطورات الحوارات بين الكتل السياسية وتأمل من هذه الكتل السياسية ان يكون لديها من النضج السياسي والحكمة ما يكفي الى الوصول الى تفاهمات مشتركة تؤدي الى ان تصل هذه الكتل بنفسها الى حلحلة هذه الاوضاع وحلِّها عاجلا .. من غير ان تحتاج الى مساعدة من المرجعية الدينية العليا ... نعم ... حينما تصل الامور الى طريق مسدود – وهذا ما لا نأمله – فان المرجعية الدينية العليا سوف لا تبخل بابداء المساعدة والمشورة والنصح لهذه الكتل بما يؤدي الى حفظ مصالح العراقيين جميعاً وحل الازمة".

وعلى صعيد آخر طالب سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي بمحاسبة بعض الموظفين الفاسدين في دوائر الدولة والذين يـُلجئون المواطنين الى دفع الرشاوى في سبيل انجاز معاملاتهم وذلك من خلال حكومة قوية قادرة على محاسبة وردع مثل هؤلاء، قائلا "في الوقت الذي نشكر فيه موظفي الدولة الذين يخدمون المواطنين ويحرصون على انجاز معاملاتهم باسرع وقت فانه في نفس الوقت يشكو الكثير من المواطنين من معاناتهم عند مراجعتهم لمختلف الدوائر الحكومية بسبب التعقيدات الادارية والاجراءات الروتينية ولجوء بعض الموظفين الى تأخير انجاز المعاملات ووضع العراقيل من اجل إلجاء المواطنين الى دفع الرشوة او البحث عن واسطة لانجاز معاملاتهم ... وهذا مناف لما تقتضيه المسؤولية الوطنية والاخلاقية الملقاة على عاتق هؤلاء الموظفين".

واضاف "ان المطلوب هو ان يكون لدينا حكومة قوية قادرة على محاسبة هؤلاء الموظفين واتخاذ الاجراءات الرادعة بحقهم واتخاذ الاجراءات القضائية المناسبة والحازمة وتفعيل اجراءات النزاهة لوضع حَدٍّ لمن يلجئ المواطن الى دفع الرشوة او البحث عن وساطة ربما يعجز الكثير من المواطنين عن الحصول عليها وبالتالي يقع في دوامة المعاناة والمشقة حتى يحصل على مطلوبه .. ونأمل من الجهات القانونية المختصة في الدولة ومجلس النواب دراسة القوانين والتعليمات المعقدة التي ترهق المواطنين والموظفين على حدٍّ سواء من اجل وضع قوانين جديدة وتعليمات يضبط من خلالها الاجراءات الادارية والقانونية وفي نفس الوقت تسهِّل على المواطنين انجاز معاملاتهم".