

الخطبة الأولى
قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم من سورة الزمر:[ وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (9)].
قد تحدث القرآن الكريم في هذا المقطع من السورة قائلاً:(وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ )ولم يقل:(وإذا مس المؤمن) باعتبار إن الشدّة والمرض غالباً ما تواجه الإنسان ما دام في الحياة الدنيا، لكن السؤال الذي قد يتبادر إلى الأذهان هنا،هو كيفية التصرف بمثل هكذا مواقف ؟ إذا مسّ الإنسان ضر دعا ربه، كأن هناك مسألة فطرية،في توجه الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى في لحظات الضر والبأساء والشدة ، كونه مسبب الأسباب، ومن بيده كشفها،حينما يعجز هذا الإنسان عن التمسك بجميع الأسباب، يلجأ عفوياً إلى الله تبارك وتعالى لإنقاذه، فإن الملك ينحصر بيد الله سبحانه وتعالى، فهو مالك الملك ، ونحن نعمل فيما أعطانا الله تعالى، ووفق ما أذن لنا في ملكه، وأن نتعامل بالمعروف، وان لا نغش، وأن ننصح، وأن ننفق، وقد أذن الله تعالى لنا أن نتصرف في هذا الملك وفق هذه القواعد، فنحن ليس مالكون، وإنما مجرد مخولون، والتخويل يحتاج إذن والإذن بينته الأحكام الشرعية بشكل واسع جداً .
ثم تبين الآية الشريفة التالية:( ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ )،هناك مشكلة، وهي إن الإنسان ينسى ويغفل ويعتقد إنه استدرج النعمة بالدعاء أو بالإنابة إلى الله، ثم ما يلبث أن يعود إلى فعله السابق إذا ما تمكن.. فتراه بمجرد أن يصاب بمرض طويل مثلاً ويشعر بضعفه، تراه يعاهد نفسه ويعاهد الأنبياء والملائكة، لئن فرج الله تعالى عنه، ومنّ عليه بالشفاء؛ ليتصرف كأهل الخير.. إن الله تعالى يمده بالعمر، وينعم عليه، ويفرج عنه، لكنه بعد فترة ينسى ويعود إلى سابق عهده.
نعم، فإن الإنسان عندما لا يربي نفسه بان حاجته الحقيقية إلى الله تعالى، سيصاب بالضعف والانهيار، فيكون من أعوان إبليس، ثم لا يجد هذا أي صعوبة في أن يتخذه ولياً، بينما يجب على المؤمن، أن يجعل من بلائه رحمة، بل وأن يدرك بأن بعض الابتلاءات،إنما ترفع مرتبته.
وهناك ممن يجعل لله أنداداً في تصرفاته وشركاءً متعددين ليضل عن سبيله، فهناك كفر مقابل الإيمان، ومنها الكفر بنعمة، إن الإنسان لا زال يشهد أن لا اله إلا الله وان محمداً رسول الله، ويتعامل مع هذه الشؤون لمعاداة الله - والعياذ بالله- فتجده يترصد بالمؤمن.. يستهزأ بالإعراض، وينتهك الأموال ليغتصبها بالحقوق، فيكفر بهذه النعمة ولا يحمد الله تبارك وتعالى.
فما هو جزاء مثل هؤلاء ؟! إن الآية الشريفة تبين:(قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار) ثم تقول الآية الشريفة:(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ) وهذه الآية هي مقارنة بين ما لذي سبق، وما بين هذه الطائفة .
إن الإمام الصادق(عليه السلام) عندما يسأل عن هذه الآية، يعتبر هذه من موارد صلاة الليل،والإنسان عندما يقنت،وهو لزوم الطاعة، والخلوة بالله تبارك وتعالى والإخلاص له، في أوقات يكون الناس فيها بعيدون ، فالعبد حينئذ يكون في خلوة بينه وبين الله تبارك وتعالى، ويكون في كل جوارحه مع الله تبارك وتعالى، فيعترف بذنبه، ويزهد في دنياه، ويرجوا الآخرة، ويخاف من العاقبة.
فهذا الإنسان الداعي، المنقطع ، القانت هو بين الركوع لله تبارك وتعالى وبين القيام ، بيد إن القرآن لم يبين جزاءه، فقط ذكر الصفة (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ).
هذه الصفات فيها إشارة مهمة إلى إن المسألة ليست قيام وقعود،لكن أن يحذر الآخرة، وعلى يقظة دائماً، ثم بعد ذلك يرجو رحمة ربه، ثم تقول الآية:( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) .
لا شك إن قيام الليل ميزة الصالحين،لكن الإنسان لا ريب يحتاج إلى حصانة والى تأمين من دواعي الانزلاق والعياذ بالله، وكذلك يحتاج إلى إن يحذر وقبل ذلك يعرف من أين يحذر، وكيف يعتقد ومن أين يأخذ الدين، أي لابد أن نتعلم وان نكون متعلمين فلا يمكن للإنسان أن ينعق مع كل ناعق، فهذه المسألة غير معذور الإنسان فيها ،هذهِ الآيات الشريفة تطلب منا، أن نحذر، وأن نرجو رحمة الله تبارك وتعالى.
الخطبة الثانية
دعا ممثل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف وخطيب صلاة جمعة مدينة كربلاء المقدسة أعضاء مجلس النواب الجدد ومع اقتراب موعد انعقاد البرلمان العراقي الموقر أن يكون باكورة ومفتاح أعمالهم منصبا لحل الكثير من المشاكل السياسية العالقة. كما طالب الإخوة والفرقاء السياسيين والكيانات السياسية أن يبذلوا قصارى جهدهم من اجل الوصول إلى نتائج تخدم هذا البلد الكريم.
وعن مشكلة البطالة التي يعاني منها البلد بالرغم من وجود طاقات غير مستفاد منها استعرض سماحة السيد (احمد الصافي) في خطبة صلاة الجمعة ( 27جمادي الآخرة1431هـ الموافق 11حزيران2010م )التي أقيمت في الصحن الحسيني الشريف وضع الشعب العراقي واحتياجه إلى مشروع أو فكرة أو رؤية أو فائدة شخصية تنعش أبناء البلد وتعطي دخلاً قومياً مادياً بشكل عملي.
وأوضح أن هناك مشاريع معطلة بالرغم من اقرارها وامضائها بيد أننا نفاجأ بعدم مصداقيته حيث الواقع الأرضي هو الذي يصدق حقيقة المشروع وليس الواقع الورقي، وفي هذا المضمار أكد أنه عندنا ملفات كثيرة في كل وزاراتنا وكلها مشاريع .. بعض المشاريع لعله انتهت لا أقول انتهت تنفيذاً وإنما انصرف الذهن عنها أصلا، وتبين أن المشروع لا يمكن تطبيقه إما لان تخطيطه غير جيد أو لان الشركات لم تأت أو لان الميزانية لم تُرصد!!! لكن النتيجة قد تحسب هذه المشاريع الورقية من انجازات هذه الوزارة أو تلك الوزارة!! والنتيجة أن أعدادا كبيرة من البطالة من شبابنا وكوادرنا فيها طاقات وفيها روح وثابة للخدمة لكنها تطرق أبواب كثيرة دون أن يسمعها أحد ولا توجد مصداقية في الأفق لحل هذه المشكلة.
وقال سماحة السيد الصافي: إن الدرجات الوظيفية لا تتناسب مع أعداد ونوعية الكوادر، وبعض الدرجات الوظيفية لا تشتمل على الكثير من إخواننا وزملائنا وأبنائنا بالرغم من ان الكثير منهم قد أكمل الجامعة أو الاختصاص الفلاني...
وأضاف إن إبقاء الطاقات معطلة غير صحيح، فالبلد يدار إذا توفرت فيه مشاريع تتناسب مع المشاكل التي تواجهه، وبعض المشاكل لا نجد لها حلاٌ ومثال على ذلك قضية الكهرباء، نعم أنا اقر أن هناك مشاكل ولكن اقر في الوقت نفسه أن هناك إمكانية حل .. فلا توجد مشكلة ليس لها حل، وبدأ المواطن إزاء هذه المشاكل يتندر ويصاب باليأس والقنوط وبدأ يشعر أن هناك بعض الضروريات لا يمكن أن يحصل عليها !! لماذا وصل المواطن إلى تلك الحالة؟!! وتساءل سماحته هل أن العراق بلد يختلف عن البلدان من هذه الجهة ؟!! كيف نرى أن العالم يحل مشاكله وقد يواجه ظروفا أسوأ من ظروف العراق؟!
وتحدث سماحته قائلا: أتكلم إليكم بكل شفافية وموضوعية ومع كل الجهات التي أخذت على نفسها عهداً أن تخدم الشعب العراقي .. أرجو إن هذه المسائل لا تكون مسيسة وان تصب في خدمة الناس بشكل مباشر وأن تتحول الأفكار الجيدة والأطروحات الممتازة إلى واقع حال تصب في خدمة المواطن لا أن توضع على الرف.
وعن الحلول الناجعة لحل هذه المشاكل قال السيد عنها أنها موجودة ولكنها بحاجة إلى همّة عامة من جميع من يعنيه أمر الخدمة، للنهوض بالواقع الخدمي في مجال الكهرباء والماء والسكن وفي كل ما يمس خدمة المواطن، وتمنى على الوضع الجديد الذي يمر به البلد أن تكون الخدمات فيه شعار مقرون بالعمل وليس شعاراً لوحده، بل دعا السياسيين إلى العمل الدؤوب بقوله: اعملوا بلا شعار إلى أن تنجز المشاريع ومن ثم اعلنوا عنها حتى تكون مفاجأة سارة للناس والناس تستشعر الخدمة بشكل صحيح بعيداً عن الإعلام وتوابعه.
وفي سياق آخر تطرق سماحة السيد أحمد الصافي على مسألة بالغة الأهمية ألا وهي تشجير مدينة كربلاء بما له من الأثر النفسي الجميل على المواطن والزائر لمدينة الإمام الحسين عليه السلام بقوله: حقيقة عندنا مشروع وهو يحتاج إلى تضافر جميع الإخوة الأعزاء وهذا المشروع هو عبارة عن تشجير المدينة القديمة، وإن الكثير من الأمور يمكن إيجادها بمشاركة جماعية أو همّة جماعية، فالأرض تحتاج إلى من يمدّ يده إليها، والمدن كلما كانت خضراء كلما أثرت على طبيعة المدينة وساكنيها.
وتابع سماحته في ختام خطبته الثانية حقيقة مشروعنا هو زرع المدينة القديمة بمجموعة من الأشجار على الأرصفة وبين الشوارع الرئيسية شيئاً فشيئاً سوف ننتقل إلى مساحة جغرافية اكبر .. لكن هذا المشروع يحتاج إلى مساعدة صاحب المحل والى مساعدة صاحب البيت والكشك والجهات الرسمية وغير الرسمية .. حتى نجعل المدينة خضراء وفيها حالة من البهجة .. فالمسألة لا تحتاج إلى جهد بقدر ما تحتاج إلى تعاون، وفي النهاية وجه كلامه إلى الجميع بقوله: رجائي من الإخوة أن يساعدونا كثيراً في هذا الموضوع حيث أنه يعود بالنفع إلى المدينة والى جميع الزائرين الذين يفدون إليها وهم يشاهدون مدينة جميلة نظيفة خضراء تناسب ما لها من مكانة قدسية في نفوس المسلمين.