
الخطبة الأولى
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم :
[ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)]
إن من الوسائل المهمة بالنسبة إلى الإنسان لتحصيل التقوى، واستقامته على جادة الشريعة المقدسة؛هو استشعاره الدائم بالرقابة الإلهية ، وعدم غفلتها عنه طرفة عين، أي إنه مراقب في كل حركاته وسكناته، وفي كل تفكير يمرّ على خاطره، بل وحتى في إحساساته أيضاً، كونه يقبع تحت الرقابة الإلهية المهيمنة على دقائق الوجود ، من اصغر مخلوق على الأرض إلى أكبر جرم في السماء، فلا يغرب عن سيطرتها وسلطانها شيء.
ويتأتى ذلك من خلال تدبر الإنسان في الآيات القرآنية التي بيّنت إن عِلم الله تعالى يشمل ما دقّ وجلّ ، وإحصاءه يعم ما صغر وما كبر ، حتى النظرة الخائنة، وحتى السريرة الكامنة ، وان حسابه دقيق يشمل كل صواب وزلل، وجزاؤه وافي لكل صغيرة وكبيرة وعلانية وسريرة ..
وإذا استشعر الإنسان هذه الرقابة الدائمة من الله عز وجل ، وحذر حسابه وعقابه ، وراقب الله في الصغيرة والكبيرة ، وفي السر والعلانية ، ولم يجرؤ على مخالفته في شيء ، وإن أمن من أي مطلِّع ٍ سواه ، فلا يعمل إلا مخلِّصاً في نيته ، مخلصاً في عمله وحتى في عمله للناس لا يعمل إلا مخلصاً لله، فهو يعمل لله قبل أن يعمل لهم، ويحذر أي شائبة تشوب العمل أو تشوب النية، وتغيّر صفاء الإخلاص وتبطل العمل ...
ومن صفات المؤمن الحقيقي انه دائم الرقابة لربه ، دائم المحاسبة لنفسه ، ولا يصلح عمله ولا تزكو نفسه ، ولا تطهر سريرته إلا بطول المراقبة ودوام المحاسبة وهذه من الوسائل المهمة التي ذكرها القرآن لإصلاح قلب الإنسان وتزكية عمله وأخلاقه ...
فإذا استشعر الإنسان رقابة الله الكاملة، وانه لا تخفى عليه خافية، وآمن بقدرته الكاملة وعلمه الشامل ، وسلطانه العظيم؛ خاف الله وراقبه في كل شيء ، فلا يفكرّ حينئذ إلا في الخير، ولا يتمنى للناس إلا الخير، ولا يدع للشر إلى فكره سبيلاً، حتى يقتلع جذور الشر والفساد من نفسه وقلبه .
وراقب الله تعالى في مشاعره وإحساسه ، فلا يحسد ولا يحقد ولا يحب لغاية باطلة ، ولا يكره لعلة سافلة ، ولا يتخلق بوضيع الأخلاق، ولا يتطبع بعادة سيئة، ولا ينافق وهو لا يبتغي على فعل الخير من الناس جزاءً، ولا يطلب منهم على حسن معاملة وفاءً، بل يبتغي ذلك من الله وحده، فهو ولي أمره، ومالك نفعه وضره ..
إن الفرد حين يمتلئ من هذا الشعور العميق؛ يستيقظ ضميره، وتتضاعف حساسيته، وإذا كثر في الأمة من أمثال هذا الفرد المستقيم؛ استقامت الأمة، وكثرت الخيرات من الله تعالى لها .
في نفس الوقت الذي يحث القرآن على تنمية مشاعر التقوى، والخوف من الله تعالى ، بيّن الأساليب للوصول إلى ذلك ومنها:
*استشعار الرقابة الإلهية (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )
*استشعار وجود الحساب الإلهي على كل شيء يفعله الإنسان
*استشعار القدرة الإلهية العظيمة المتمثلة بعظم العقاب والعذاب
أخيراً يجب على المؤمن أن يكون دائم المراقبة، ودائم المحاسبة لنيته في العمل، وإرادته وعزيمته ومشاعره وتفكيره وخياله، وفي قوله وعمله وعاداته ، وان يكون دائم العزيمة والهمّة لإصلاحها .
تقرير الخطبة الثانية
أكد ممثل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف وخطيب جمعة كربلاء المقدسة على ضرورة دراسة الظروف داخل السجون العراقية والاجواء التي يعيشها السجين، خصوصا ان التصريحات الاخيرة التي اعقبت العمليات الارهابية التي شهدتها العاصمة بغداد وعدد من المحافظات العراقية اشارت الى ان منفذي تلك العمليات ممن كانوا في السجون العراقية واطلق سراحهم.
وقال سماحة الشيخ (عبد المهدي الكربلائي) في خطبة صلاة الجمعة ( 6 جمادى الآخرة 1431الموافق21 آيار2010) تعلمون اخوتي واخواتي ان في الاسابيع الاخيرة قامت العصابات الارهابية بعدة عمليات تفجير وعمليات اغتيال في مدن متعددة وفي يوم واحد. وقد صرح احد القادة الامنيين ان من جملة قادة العصابات الارهابية الذين قاموا واشرفوا على عدة عمليات ارهابية نوعية منها تفجير الوزارات وغيرها هم ممن كانوا في السجن لعدة سنوات ثم اطلق سراحهم وقد سبق ذلك ومنذ عدة شهور تصريحات مماثلة وهذا يعني ان المطلوب – حتى تستكمل الاجراءات للوصول الى تحقيق الامن والاستقرار – هو اعادة النظر بالاجراءات الامنية المتخذة لمنع هذه الاعمال الاجرامية. ومن جملة ذلك دراسة الظروف داخل السجون والاجواء التي يعيشها السجين اذ ان الظاهر ان الكثير منهم بدلاً من ان يكون السجن وسيلة لاصلاحه واعادته الى الحياة الطبيعية في مجتمعه ليكون عضواً صالحاً يساهم في بناء مجتمعه تراه يتخرّج من السجن وهو يحمل افكار ومنهجاً معادياً لبلده وشعبه بل البعض منهم صار من قادة الجماعات التكفيرية ومشرفاً ومنقذاً لعلميات ارهابية نوعية.
وبين سماحته ان على المؤسسات الامنية ان تضع دراسة اجتماعية ونفسية لاسباب هذه الظاهرة وتضع حلولاً لها للحد من هذه الظاهرة ومن جملة ذلك القاء المحاضرات الفكرية والعقائدية من قبل اساتذة متخصصين في الفكر والعقيدة واساتذة في عِلم الاجتماع والنفس بحيث تساهم هذه المحاضرات في تبصرة السجين بالعواقب الوخيمة لتبني هذه الافكار وما هو ضررها على نفسه ومجتمعه. وكذلك توفير الظروف المناسبة للسجناء ممن لم يتمرسوا في الاجرام ولم تتحجر عقولهم على الافكار المنحرفة فان هذه الظروف سوف تجعل حاجزاً بين شريحة كبيرة من السجناء وبين تلك الشريحة التي تتبنى الخط التكفيري والاجرامي كمنهج في حياتها، موضحا ان من ثبت انتماؤه لهذه الجماعات وقام باعمال اجرامية ثم اطلق سراحه وعاود الاجرام من جديد فلا بد من اتخاذ الاجراءات القضائية الرادعة بحقه وتنفيذ الاحكام التي تصدر بحقهم مهما كانت هذه الاحكام .
ودعا الشيخ الكربلائي الكتل السياسية الى تكثيف حواراتها الجادة للاسراع بتشكيل الحكومة قائلا " بعد انتهاء عمليات العد والفرز اليدوي واعلان النتائج فاننا ندعو الى المسارعة في التصديق على النتائج النهائية للانتخابات وفي نفس الوقت ندعو الكتل السياسية الى تكثيف المشاورات والحوارات الجادّة فيما بين الكتل السياسية الرئيسية على ان تكون مبنيّة على المبادئ القانونية والدستورية واشراك جميع المكونات السياسية الرئيسية في العملية السياسية وفي الحوار الجاري بينهما من اجل الاسراع بتشكيل الحكومة واسناد المهام الوزارية الى الاشخاص على اساس مهني من توفر الكفاءة والنزاهة وحب الخدمة للناس والولاء لهذا البلد والشعب.
واضاف نود ان ننبّه الاخوة في الكتل السياسية ان المواطن العراقي اخذ يصيبه شيء من الاحباط والتذّمر بسبب تأخر تشكيل الحكومة وما يسببه ذلك من استغلال القوى الارهابية لهذه الظروف للقيام بالمزيد من الاعمال الاجرامية اضافة الى ما نراه من فتور وبرود في اداء الوزارات لمهامها بسبب انشغال الكثير من المسؤولين التنفيذين بالمشاورات السياسية اضافة الى ان طبيعة الفترة الانتقالية ومجهولية المستقبل في كيفية تشكيل الحكومة يؤدي الى هذه النتائج .
وبخصوص ازمة الكهرباء التي يشهدها العراق اشار الكربلائي " فيما يتعلق بأزمة الكهرباء وما تسببه هذه الازمة من زيادة المعاناة للمواطنين بسبب حرارة الجو والعواصف الترابية التي ازدادت ايامها في الفترة الاخيرة فان مشاعر المواطنين تجاه هذه الازمة هي الملل والسأم من الوعود الزائفة والكاذبة التي يُمنّى بها المواطن بين فترة واخرى حيث سبق ان صدرت وعود من مسؤول الوزارة بان ساعات القطع ستقل في حين ان الذي حصل هو العكس وقد اصبحت هذه الوعود موضع ازدراء وتهكم من قبل المواطنين وعدم التصديق بها. موضحا اننا ننبه الى ان المطلوب من قبل المسؤولين هو تشخيص الاسباب الحقيقية لهذه الازمة ومكاشفة الناس بها ووضع النقاط على الحروف وتشخيص مواضع التقصير ومحاسبة المقصِّر وتشخيص مواضع القصور لمعالجتها. داعيا في الوقت نفسه كبار المسؤولين وخاصة دولة رئيس الوزراء الى التدخّل لوضع حلِّ ولو جزئي لهذه الازمة لان بقائها يمثل تقصيراً كبيراً بحق المواطن وهو حق اساسي ورئيسي، مشيرا الى ان بعض المواطنين يقولون اننا قد خرجنا للانتخابات وادّينا ما علينا من مسؤولية وما على الدولة إلاّ ان تفي بالتزاماتها وتوفر هذا الحق الاساسي – واقول – المسألة ليست ان المواطنين ادّوا مسؤوليتهم الانتخابية وبالمقابل فلابد من السعي لتوفير الكهرباء وبقية الخدمات لهم، بل ان هذه الخدمة – خدمات الكهرباء – حق اساسي لابد من توفيره للمواطنين وعلى الحكومة السعي بكل امكاناتها لرفع المعاناة عن المواطنين حتى وان لم تكن لهم مشاركة في الانتخابات .