
الخطبة الأولى
قال الله تبارك وتعالى في سورة التوبة:[وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَب وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ.(35)].
يكفي أن يتصور الإنسان المتبصر هول نار جهنم؛لكي يشعر بالخوف والوجل ويرتدع،بينما نجد إن البعض غير المنقاد إلى الله تبارك وتعالى،سوف يقوده غباءه إلى ما كان يفرّ منه،إذ لا يمكن أن يكرّ الإنسان نحو شيء ما، وبذات الوقت يفر منه،لكن غباء الإنسان،وتسويلات إبليس له تستدرجانه وتجعلاه يسقط في تناقض مثل تلك الحالة ما بين الكر والفر..أعتقد إن طبيعة الإنسان في الدنيا تجعله يفرّ من دواعي العذاب والنقمة والضجر،لكن في الآخرة ترجع هذه الأمور عليه وبالنتيجة،يحاول أن يتبرأ حتى من عمله،لأنه لا منجاة يوم القيامة من عذاب الله تبارك وتعالى.
فهناك حالة من حالات حب التملك..بطريقة تجعل الإنسان يمنع ما أعطاه الله تبارك وتعالى،ومن ثم تصدّه عن سبيل الله، وهي حالة(الاكتناز)إذ إنها حالة من حالات العناية والاهتمام المفرط..بحيث يدخر الإنسان ممتلكاته في مكان يخفيه عن الآخرين،ويحاول أن يصب كل اهتمامه عليها،وبطبيعة الحال فإن الإنسان لا يكتنز إلا الشيء الحسن..والآية تعرج على طائفة من الناس تحاول أن تمنع عن سبيل الله،فالقرآن يخبر الرسول الأكرم (ص) بأن الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم،وطبعاً فإن العذاب ليس فيه بشارة للإنسان حيث تكون بالخبر السار..لكنها نكاية وسخرية بهؤلاء..ولم تقف الآية إلى هذا الحد، وإنما رجعت إلى هذا الذي يكتنزهُ هذا الشخص أو ذاك .. من الذهب والفضة حيث إن لها درجات معينة تنصهر فيها،ويبين القرآن إنها في يوم القيامة تحمى في نار جهنم،وتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم..حيث إن البعض يرى إن هذه الجباه والجنوب والظهور هي الأعضاء الرئيسية،لكن البعض يقول لا.. الجبهة التي تمرغت على المال،وأسقط الإنسان هيبته بهذه القامة،وركع بهذا الظهر،وتقلب يمينا ويساراً في أن يوجد حرز وحصن لهذا المال..هذه الأعضاء كلها ستنال عقوبة ما فعل..وإن القرآن الكريم هنا يبين نتيجة ما فعلوا،وانه سيريهم ما حافظوا،ومسكوا عليه،وحجبوه عن سبيل الله،فكلما ازداد اكتناز الإنسان أكثر؛كلما اشتدت عقوبته أكثر.
إن الإنسان تراه يرخّص ما أعطاه الله تبارك وتعالى من اجل الذهب والفضة المكتنزة بغير وجه حق،والإنسان ليس وظيفته أن يستعمل أعضاؤه في معصية الله .. فغير مرخص للإنسان شرعاً على سبيل المثال أن يستعمل يده التي أعطاها إياها الله تعالى في المعصية،وكذلك عين الإنسان وبقية أعضاؤه.
أخيراً فهذا التحذير الإلهي يشمل الكل بدون استثناء؛إذا توفر العنصران،الاكتناز،والمنع عن سبيل الله،إذ إنها الحالة السلبية التي يبتعد فيها الإنسان عن الآخرة،ومن ثم الشعور بالآخرين،وينتج عنها إن الإنسان كلما جمع أكثر متصوراً نفسه لا زال فقيراً،فيحاول أن يجمع ويجمع،والشيطان يعدكم بالفقر..موسوساً،إذا أنفقت تصاب بالفقر..! فتراه يحاول أن يعيش عيشة الفقراء،ويحاسب حساب الأغنياء،وجزء من حساب الأغنياء هذه الصورة،رغم إن القرآن يعبر بان كيد الشيطان ضعيف.. لكن أتباع الشيطان وأنصاره الذين يقعون في فخه هم كثرة،وبعض المعاصي تدّب إلى الإنسان كدبيب النملة على الصخرة الصمّاء في الليلة الظلماء..والإنسان إذا لم ينتبه لنفسه تدب هذه الأمور إليه بشكل سريع بصورة قد لا يشعر بها،فجمع المال يولد الجُبن عنده،بينما إنفاق المال في طاعة الله تبارك وتعالى يجنّبه هذه الأمور..لذا يجب على الإنسان أن يراجع نفسه،وأن يستعيذ بالله،وأن يخرج من طاعة الشيطان إلى طاعة الله تبارك وتعالى .
تقرير الخطبة الثانية
طالب ممثل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف وإمام صلاة الجمعة في مدينة كربلاء المقدسة الجهات السياسية الإسراع بتشكيل الحكومة لرفع المعاناة عن الشعب العراقي الذي تحدى كل الصعاب ولا زال شعبا قويا صامدا.
وتساءل سماحة السيد (احمد الصافي) في خطبة صلاة الجمعة (15 جمادي الأولى 1431الموافق 30 نيسان2010 ) التي أقيمت في الصحن الحسيني الشريف " إلى متى يبقى الوضع هكذا؟ لماذا هذا الوضع المتأزم إلى الآن؟ من يتحمل هذه الحالة الصعبة التي يمر بها البلد؟!".
وفي معرض إجابته عما ورد، أكد " إننا لا نستورد حلاً وإنما نحن من يضع الحلول وليس غيرنا.. حيث أن الوضع قلق وكلما تأخرنا يوم كلما خرجت لنا مشكلة أخرى.. ونتمنى على الفرقاء السياسيين ان يتركوا الخطابات الفارغة جانبا ويتحملوا المسؤولية بتقديم مشروع جدي حقيقي ينهض خدمة للبلد" ...
واستطرد سماحته قائلاً " إننا بحاجة إلى خطوة جريئة حقيقية من كل الأطراف وتنازل حقيقي من كل الأطراف والهدف هو العراق .. إذ أنه لا يخسر احد شيء في مقابل البلد ... نحن لا نريد أن نصل إلى حافات صعبة وإنما نحن في طريق يمكن أن نعالج الموقف .. كفى صراعاً!! كفى دماء!! كفى نزفاً!! هناك خطابات تصعيدية قال وقلت .. وذاك تكلم وذاك عقب.. وهكذا دواليك والنتيجة إن الشعب العراقي لا يجني من تلك الأقاويل أية ثمرة ".
ووجه سماحة السيد الصافي خطابه للجهات المعنية بقوله" اخبروني عن تشكيل الحكومة وفق رؤاكم ووفق برامجكم، واخبروني هل باستطاعتكم تجاوز الكثير من الأمور وهل بإمكانكم إنزال البشارة على الشعب العراقي؟! ..إن البلد لا تحل مشاكله إلا بأهله وانتم خيار الشعب العراقي .. وان شاء الله انتم جديرون بالثقة .. وحالة الانكماش النفسي والضغط النفسي انفضوها .. امشوا بقامة واقفة وثقة مملوءة وسننتصر بأقرب وقت ممكن بمشيئة الله".
وتطرق سماحته عن الوضع الأمني المتأزم وقال "من يتحمل المسؤولية؟ فالإختلاف جميل ولكن بشرط أن يوصلنا إلى نتيجة .. لا أن يوصلنا إلى العنف والدماء، ولا أن يوصلنا إلى مهاترات فلان عنده جهاز مخترق .. وفلان عنده جهة سياسية ممكن أن يمول الإرهاب .. وفلان شخص سياسي ممكن أن يغطي على المجرمين، إلى متى يستمر الوضع هكذا؟!! من المستفيد من ذلك ؟!! اختلاف وجهات النظر مطلب صحي جداً .. ولكن ينبغي أن لا تصل إلى حالة العنف وحالة الدماء .. هذه خطوط حمراء لا يرضى بها احد" ..
وتحدث عن العراق من الشمال إلى الجنوب قائلا" إن هذه التركيبة الجميلة ينبغي أن تعمل لحفظ البلد والحرص على تقديم الخدمات لمواطنيه، ونحن نطالب الكتل السياسية بالخروج من هذه الشرنقة وهذا الجو المشحون والوصول إلى حل يرضي الجميع .. لا أن يبقى الكل يتفرج ..بل المؤمل من الجميع أن يتحمل المسؤولية بشكل حقيقي وأن يبدأ الحوار والحراك من الكل من اجل إنقاذ الوضع، وان يكون الحوار لغرض البناء ولملمة الوضع وأنا أتنازل و أنت تتنازل .. وحبنا للبلد هو الذي يجعلنا نتقدم "..
وعن ضرورة وجود ثورة أخلاقية في دوائر الدولة ترجعنا إلى أصولنا وأخلاقنا وتراثنا، طالب ممثل المرجعية الدينية العليا جميع الموظفين العاملين في الدوائر الحكومية بالتحلي بالأخلاق الفاضلة والابتعاد عن حالة التعالي على الآخرين، والابتعاد عن الرشوة والأخلاق الجافة. فالإنسان إذا لم يلاحظ نفسه يتحول إلى طاغوت. والسياسي على رأس الهرم إلى آخر شخص في الدولة مطلوب منهم الأخلاق .. نحن بحاجة إلى ثورة أخلاقية .. في المدارس والجامعات والأسواق لابد من وجود حل .. عودة إلى الأخلاق الفاضلة "..
وفي ختام الخطبة أوصى الجميع الرفق بالمواطن العراقي الذي بات يتأرجح بين التأزم السياسي ونقص الخدمات وجفاء المعاملة من بعض الدوائر الحكومية!! وحفز المسؤول بتحسس المعاناة التي يواجهها المواطن ولاسيما الفقير والمسن والمريض الذي يتقلب من أزمة إلى أزمة تزيده هما على همه وغما على غمه قائلا: اذهب إلى الأحياء الفقيرة ولا يمكن أن تكون في برجك العاجي أو أي موقع والناس بحاجة إليك، فخفف عن المواطن بالمواصلة معه وتقديم الخدمات له ضمن ما يتيحه لك القانون والأخلاق.