
تحاول أن تنبهنا بعض الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة إلى إن الموت هو مصير الإنسان المحتوم، وحينها تنكشف السرائر، ولن تخفى على الله سبحانه وتعالى خافية، وفي تلك الساعة يكرم المرء أو يهان، ومن تلك الآيات قوله تعالى:[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم : 6].
إن هذه الآية الشريفة من آيات الرحمة الإلهية التي ذكرها الله سبحانه وتعالى حرصاً منه علينا لكي نبتعد عن نار جهنم، كما إنها تبين بأن لا خيار أمام الإنسان إلا أن يقي نفسه وأهله النار، لكن السؤال الذي يبرز هاهنا هو:كيف نقي أنفسنا وأهلينا من النار؟
إن الإنسان عندما يكون وقود النار مع الحجارة وهي تزداد اشتعالاً ويظل خالد فيها أبداً، فهذه إنما صورة مرعبة للعذاب، يجب أن تردعنا، ثم تبين الآية إن هناك ملائكة غلاظ شداد على هذه النار، أي إن هذه الملائكة الغلاظ فيها نوع من الشدة في القول وغلظة في العمل، لا تراها في وجوه مستبشرة وإنما دائماً حالة الغلظة والعبوس وحالة الزجر وحالة الإهانة لهذا الوقود، وإن كان الإنسان يتوسل ويبكي ويلجأ إلى المسكنة، ولكن هذا الكلام أصلاً لا ينفع مع هذا الصنف من الملائكة.. كون هذا العذاب الواقع هو بأمر الله تعالى لأن هذا الإنسان أذنب وعصى فلا يمكن لأحد أن يمنع أو يخفف من هذا العذاب.
وفي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول أبو بصير قرأت هذه الآية الشريفة ثم جئت إلى الإمام(عليه السلام) وسألته :هذه نفسي أقيها ابتعد عن المحرمات وافعل الواجبات، فكيف أقي أهلي ؟!
قال(عليه السلام): تأمرهم بما أمرهم الله به، وتنهاهم عما نهاهم الله عنه، فان أطاعوك َ كنت قد وقيتهم، وإن عصوك كنت قد قضيت ما عليك.
نعم إن رحمة الله تعالى ليس كمثلها شيء، ومن رحمة الله علينا تجد الكثير من الآيات في القرآن الكريم وأحاديث ونصائح الأنبياء والأئمة الأطهار تحذر من عذاب معصية الله تعالى، وان الله تعالى يأمرنا في هذه الآية أن نقي أنفسنا وأهلينا النار لان موقف يوم القيامة موقف رهيب، فعلى الإنسان أن يتقدم خطوة إلى الله تعالى، وان يتوب ويتدارك ذنوبه، فلا يمكن للإنسان أن يجعل نفسه يعيش في حالات الفسوق وحالات الهتك والمحرمات حتى يموت حينذاك لن ينفعه شيء.. حيث توجد طائفة من الناس هو يتحدث عن نفسه قائلاً:أني استلذ بالحرام، وتراه يتجنب الحلال ثم تجده يندس في أي مورد فيه شبهة، بل هناك معاصي حقيقة إن الإنسان لا يستطيع أن يصورها، ولكن ترى البعض يرتكبها، ويجيء نتيجتها طفل مسكين أو طفلة في أسرة منحلة لا تعرف من التقوى أي شيء.. فهم يبارزون الله تعالى بالمعصية..
إن المعاصي حينما تنخر فينا؛ يحجب الدعاء، وتبدأ المشاكل، وترتفع البركات، وتزداد الأسعار، وتقل الخيرات.. لذا أود التحدث عن أمور واقعية حول العديد من معاملاتنا الربوية الهائلة جداً، وهناك أيضاً معاملات الغش وغير ذلك من المعاملات.. وهنا اذكر قصة رجل كبير السن عمره قارب الستين عاماً.. قبل حفنة من السنين كان في محل صغير يبيع فيه الطماطة والخيار والخضراوات وهذا الرجل مملوء بالأمراض وتراه يعمل، إذ جعل كفتي الميزان غير متكافئتين فهو يجعل الأوزان دائماً في كفة، أما الكفة الأخرى وهي كفة السلعة فيتركها فارغة ثم يغرف الخضراوات بإناء له وزن كبير ويجعل هذا الإناء على الكفة الثانية ويسرق بهذه الطريقة من الكيلو الواحد بمعدل (200-300 غم)، وهو يعتقد بان هذه الطريقة هي التي ستجني له المال والأرباح، والمال يأتي ولكنه لا يأتي دائماً من الحلال وإنما من الحلال والحرام، وترى هذا المسكين يطعم أهله وهو في النهار يغش من (30– 40) شخصاً، وهو يعتقد انه يضحك عليهم، ويعد هذا الغش شطاره.. لكنه لا يعلم بعد مرور فترة طويلة كم سيصبح عدد الأشخاص الذين غشهم ؟! أو أين سيجدهم لكي يبرئ منهم ذمته.. !!
وهناك الكثير من المعاملات الأخرى أيضاً توجد فيها مشاكل، نرجو الالتفات إليها، من خلال تنبيه القران والأحاديث الشريفة إليها والدعوة إلى أن نقلع عن الذنوب ونتوب إلى الله تعالى من كل ذنب ارتكبتاه.
تقرير الخطبة الثانية
طالب ممثل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف "أن يعتمد الحوار في مثل هذه القضايا الحساسة على أسس صحيحة ومتينة وقوية، وأكد على ضرورة أن تفتح الكثير من الملفات الخاصة لوضع الحلول الناجعة لها حيث أن الغرض من الحوار هو الوصول إلى نتائج لخدمة البلد، لاسيما إن هذا الموضوع يشغل بال جميع العراقيين وينتظرون بفارغ الصبر الانتهاء من مرحلة للانتقال إلى أخرى".
وأوضح سماحة السيد (احمد الصافي) في خطبة صلاة الجمعة ( 1 جمادى الأولى 1431هـ الموافق 16نيسان2010م )التي أقيمت في الصحن الحسيني الشريف " إن العراق يفتقر في هذه المرحلة إلى تأسيس كثير من بناه ومؤسساته الدستورية التي ومنذ سقوط النظام البائد قد أرسى قواعدها وقطع أشواطا ولا بد أن يكمل. ولابد من التعجيل في تشكيل الحكومة بما هي أداة لخدمة الناس، والحوار بين الكتل السياسية جميعاً شيء مهم، لكن لا يمكن أن يبقى مفتوحاً بلا نهاية".
وأضاف سماحته "أن الحوار الذي يستوعب الكيانات السياسية ويضفي مشاركات حقيقية في المرحلة القادمة ويجعل كل هذه الكيانات تشعر بالثقة المتبادلة والاطمئنان هي أمور مطلوبة. وهذا أمر مهم جداً ويعطي رسالة واضحة للشعب العراقي عموماً بأن المحاولات تصل إلى نتيجة حتمية"..
وعن أهمية زرع الثقة بين السياسيين قال سماحته" إن الثقة بين المكونات لا يمكن أن تأتي باللسان. وان بعض المشاكل التي سببت أزمة ثقة يجب أن تواجه بصراحة وبقوة حتى ننتهي منها، ومع ملاحظة أن العراق بلد عظيم وعريق. فالفرقاء السياسيون يحتاجون فيما بينهم إلى رسائل اطمئنان وثقة حقيقة تزرع فيما بينهم.. والثقة مطلب نفسي بحاجة إلى عوامل مشجعة وبحاجة إلى أن الإنسان يخطو خطوة حتى أن المقابل يثق بأن فلان عندما تكلم معي هذا الكلام له واقعية، فالمفروض أن تتقدم خطوة حتى أن فلانا يتقدم خطوة"..
وأدرف سماحته " إذا تأسست الحكومة وإذا تشكل المجلس الموقر فإن خيار الشعب العراقي سيتحقق من خلال هذه الوسائل الرسمية والقنوات القانونية والدستورية حتى نقطع الطريق لبقاء هذا الفراغ.. وكلما استطعنا أن نثبت القضايا القانونية كلما اختزلنا وقطعنا الطريق أمام المغرضين... وتمنى أن تتشكل في هذا البلد حكومة وطنية تستطيع أن تحتوي الجميع من اجل أن نشعر بالاطمئنان حتى تستمر المسيرة كما بدأت"..
وفي جانب آخر من خطبته وجه سماحته إلى ضرورة أن تشهد الجامعات طفرة نوعية في التطور العلمي والإلتزام بالجانب القيمي والأخلاقي. وقال في هذا المضمار " إن الجامعات مظهر من مظاهر بناء البلد وعندما نؤشر الجانب العلمي للعراق.. فلابد أن تكون الجامعة للعلم ولا بد أن يبقى هذا المكان للعلم.. بناتنا الطالبات في بعض الحالات غافلات عن وظيفة الطالبة في الجامعة وأبناءنا الطلبة غافلين عن وظيفة الطالب في الجامعة.. فالجامعة مكان يختلف عن بقية الأمكنة فالجامعة ليس من حق العسكري أن يدخل فيها، وليس من حق أي جهة أن تسيء إليها، وعلى الطلبة الجامعيين والأساتذة أن يضفوا حالة من حالات الآداب العامة فيها، فالطالب في الجامعة نريد أن نراه كرجل لا نريد أن نراه يستعرض أزياء.. والطالبة في الجامعة أيضا نريد أن نراها امرأة تشعر بالمسؤولية.. الجامعة يجب أن لا تحدث فيها أمور تخدش الحياء.. هذه المسألة لها علاقة بالجانب التربوي لابد أن توضع حلول حقيقية للحفاظ على الآداب العامة.. والأب لابد أن يلاحظ أبناءه في الجامعة وخصوصا البنت يلاحظ ملابسها وتصرفاتها"..
وطالب ممثل المرجعية الدينية العليا رؤساء الجامعات ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن تجعل الزي والحضور مقننا لأبنائنا وبناتنا. فهذا حرم جامعي مقدس نعتز به ونفتخر به، ونريد أن نرى الآثار العلمية في الجامعة ولا نريد أن نسمع شكاية من هنا وهناك.. موجها كلامه إلى الأساتذة الفضلاء قائلا " انتم درستم في الجامعة لابد أن تنقلوا هذه التجربة إلى أبنائكم الطلبة ليس الجانب العلمي فقط بل الجانب التربوي في غاية الأهمية.. وأن لا يغفل الجميع عن هذا الجانب المهم الذي ينبغي أن يكون سائدا على الأجواء الجامعية لينعم العراق الكفاءة والنزاهة من أبناءه النجباء ".
وعن الجانب الصحي وما يعتوره من مشاكل أشار سماحته إلى أن هناك حالة في العراق منذ عشرين سنة وهي حالة تفشي الأمراض بشكل غير متصور وهذه الأمراض الجسدية والنفسية أصبحت ثقيلة على أهلها، وطالب ميسوري الحال الذين منّ الله تعالى عليهم بالصحة والجاه والثروة.. الإهتمام بالمرضى لان الحالة المرضية بالعراق حالة غير طبيعية.. فهناك حالات في العراق هي ليست موجودة في باقي الدول، ووجه كلامه بشكل خاص إلى المحسنين والمؤسسات غير الرسمية عليهم أن يبادروا ولا ينتظروا ذل سؤال المريض، لان الكلفة غالية وان يبادروا ويجعلوا جزءا من نشاطههم تفقد المرضى ورعايتهم.. فهناك بعض الميسورين وفقهم الله عندهم هذه الحالة وهم يستشعرون بالجانب الإنساني وفقهم الله لمثل هكذا أعمال خيرية..
وفي ختام خطبته أكد سماحة السيد الصافي إن الشعب العراقي شعب شهامة ونبل وشعب حمية وشعب متجذرة فيه الأصول الإسلامية والعشائرية الحميدة التي هي من بوادرها حالة الإكرام والكرم... وإذا كانت وزارة الصحة تتقدم خطوة نريد أن تتقدم عشر خطوات ولكن ذلك لا يعني انها هي فقط من تتحمل المسؤولية.. فالمرضى يعانون كثيراً فاهتموا بالمرضى جميعا.. وفقنا الله لما يحب ويرضى والحمد لله رب العالمين..