
الخطبة الأولى
أنحن حقاً ممن يستمع القول فيتبع أحسنه؟ أعني ممن يستفيد من المواعظ حق الاستفادة؟ سبيلا الى النجاح في هذه الحياة،ومن ثم الفوز في الاخرة.
ان المضامين العالية التي تنطوي عليها المواعظ الالهية،انما هي تمثل في حقيقة الامر، مناهج حياتية متكاملة، تلقى لكي يسير المؤمن على رشدها، ويهتدي الى سوي السبيل على ضوئها، متبعاً ما أمرت به مثل هذه المواعظ لخيره وفلاحه،وواقفاً عند حدود ما حذّرت منه، ومقتدياً في سير حياته بما قدّمت واخّرت، فأولئك هم الذين ينطبق عليهم وصف الله تعالى لهم بقوله :
[فَبَشِّرْ عِبَادِي (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (18)]
فطوبى لمن يستمع لمثل هذه المواعظ؛ فيعقلها، وينتفع بها، ويعتبر بها في حياته، ولهذا اسسّت المواعظ،وأُمر بالتذكر، كما وأمر بمجالسة العلماء، ومن الناس مَن ْ يحضر الموعظة فيحجبه عن الاستماع والانتفاع بها، حاجب من غفلة او حبٍّ للدنيا، فيخرج الناس بأرباح وأجر وثواب، ويخرج هو بخسارة، وخفة ميزان، ولم يربح شيئاً..غير اضاعة الوقت واهدار الفرصة.
لذلك يجب أن يكون استماعنا لمثل هذه المواعظ، استماع فهم وتدبّر وعقل ثم اتباع وانتهاج العِبَر، ومراقبة للنفس والجوارح والاعمال والاقوال حتى لا نندم يوم تكثر فيه الحسرة والندامة.
قال امير المؤمنين(عليه السلام) لرجل سأله ان يعظه : ( لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عَمَل) [الحكمة 150من باب المختار من حكم امير المؤمنين]
ان تعرّض الإمام علي(عليه السلام) في هذه الموعظة بقصد الاشارة الى أصول الرذائل للتنبيه الى معالجتها...والتي تكون مرض للقلوب، وتمنع من الوصول الى مراتب القرب، والفوز العظيم من خلال:
الاغترار بسعة رحمة الله، والطمع في ثواب الله تعالى بغيرالعمل أو"عمل"، فكما ان الطالب الذي يرجو النجاح والتفوق في الامتحان والدراسة؛ لابد ان يجدّ ويجتهد لكي يحصل على مراده هذا، ولا يتحقق له ذلك بمجرد الأماني، والتاجر والكاسب الذي يرجو النجاح في تجارته وكسبه؛ لا بد ان يسعى وينشط في عمله، ليتحقق مراده ولا تكفي الاماني والترجي، فكذلك طالب الآخرة والفوز بالنعيم الدائم؛ لابد له من العمل... وهذه الفقرة ارشاد لكي ينشط المؤمن، ويبتعد عن الكسل، وتضييع الوقت... فان العمر والوقت هو رأس مال المؤمن.
( ويُرَجِّي التوبة بطول الأمل )
تأخير التوبة بسبب طول أمل الانسان ببقائه، فيؤدي ذلك الى بقاء المعصية، واشتغال ذمته بها وبحقوق الاخرين.. وحيث ان الانسان لا يعلم متى يرحل عن هذه الحياة الدينا، وربما يفاجئه الموت الذي امره بيد الله تعالى، فيموت وهو على المعصية أو بقاء ذمته مشغولة بحقوق الاخرين...فعليه حينئذ ان يبادر بالتوبة الصادقة، وقضاء ما عليه من عبادات وتفريغ ذمته، مما اشتغلت به من الحقوق المالية التي لله تعالى او للناس.. وان لا تغرّه الحياة الدنيا أو ما هو عليه من صحة أو ما يمتلك من مال وقوة وسلطان.
( يقول في الدنيا بقول الزاهدين ويعمل فيها بعمل الراغبين إن أُعطِيَ منها لَمْ يَشْبَعْ، وان مُنِعَ منها لَمْ يَقْنَع ).
فترى البعض يتظاهر بالزهد في حطام الدنيا وما يجري على لسانه ذم للدنيا، ولكنه في عمله حريص على متاعها وحطامها وزينتها ويلهث ورائها... فإن أعطي من الدنيا لم يشبع منها.. بل يطلب المزيد وتراه يلهث، وربما يرتكب الحرام للحصول على المزيد من حطامها ومتاعها، ولا تراه يشكر هذه النعمة، وان مُنِع شيئاً من رزق الدنيا صار متذمراً وساخطاً ولم يكن قنوعاً بما قدّر الله تعالى له..
( يعجِزُ عن شكر ما اوتِيَ ويبتغي الزيادة فيما بقيَ، ينهى ولا ينتهي ويأمر بما لا يأتي، يُحِبُّ الصالحين ولا يَعمَلُ عملهم ويُبغِضُ المذنبين وهو احدهم..)
فنرى بعضهم يجمع بين العجز عن شكر ما اوتِيَ من نعمة الله تعالى وبين طلب الزيادة من فاضِلها، وتراه يجمع بين النهي عن المعاصي ورذائل الصفات ولكنه لا ينتهي عنها وهو نفاق وخداع مع الله تعالى.
وتراه يحب الصالحين ويفترض حتى يكون صادقاً في حبه لهم، وان يكون متصفاً بصفاتهم ويعمل أعمالهم... وكذلك يبغض ويكره اهل الذنوب والمعاصي، وينتقدهم ولكنه لا ينتهي عما يكره من الاخرين.
تقرير الخطبة الثانية
نقل ممثل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف شكر المرجعية لجميع العراقيين الذي شاركوا في الانتخابات النيابية، وأنها تتوجه بأسمى آيات الشكر والامتنان والتقدير لهم، سواء أكانوا داخل العراق او خارجه.
وبين سماحة الشيخ (عبد المهدي الكربلائي) خلال خطبة صلاة الجمعة (25 ربيع الأول 1431 الموافق 12 آذار2010) في الصحن الحسيني الشريف "إن هؤلاء المواطنين يستحقون مثل هذا التقدير وذلك لما ابدوه من شجاعة وتحمّل للمسؤولية الوطنية في إنجاح هذه الانتخابات، وذلك يعبِّر عن وعيهم وادراكهم لحجم المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقهم في ظل هذه الظروف العصيبة التي يمّر بها بلدنا العزيز، ويعبِّر ايضا عن مدى حبهم وولائهم لوطنهم وعشقهم للحرية ولارساء دعائم الامن والاستقرار في هذا البلد".
واضاف سماحته " اننا في الوقت نفسه نثمّن باعتزاز كبير استجابة المواطنين العالية لتوجيهات المرجعية الدينية العليا لهذه المشاركة الواسعة، والتي تمثل النسبة المعلنة لها من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عن مدى وعي الشعب العراقي وحبه لوطنه واستجابته لتوجيهات المرجعية الدينية العليا. كما نعزّي عوائل الشهداء الذين سقطوا بسبب التفجيرات الارهابية في ايام الانتخابات ونسأل الله تعالى الشفاء العاجل للجرحى".
ونوه الى "ان حب الشعب العراقي لوطنه وتحمّله للمسؤولية الوطنية اسقط رهان الارهابيين بإفشال هذه الملحمة وذلك من خلال عدم الاكتراث للتهديدات التي صدرت من الجماعات الارهابية، حيث خرج الملايين ليسطروا ملاحم الولاء لوطنهم من خلال استعدادهم للتضحية في سبيل إنجاح التجربة الديمقراطية".
وتابع الشيخ الكربلائي ان "هذه المحلمة الوطنية اصبحت موضع تقدير واعجاب واحترام الكثير من شعوب العالم ومكوناته وذلك لما شاهدوه من وعي واستعداد للتضحية من قبل ابناء الشعب العراقي الذي شارك في انجاح تلك الملحمة مجموعة من الامور منها:
1- الدور التوجيهي والارشادي الالهي والوطني للمرجعية الدينية العليا والذي كان سبباً في اندفاع ابناء الشعب العراقي للمشاركة في هذه الملحمة.
2- الدور الامني الكبير الذي قامت به الاجهزة الامنية حيث واصلت الليل بالنهار لتوفير الامن والحماية للمواطنين المشاركين في هذه الانتخابات..
كما توجه الشيخ الكربلائي في خطبته بالشكر والتقدير للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات التي قامت بتنظيم هذه الحملة الوطنية الرائعة. مشيرا انها بذلت جهوداً كبيرة ولشهور عديدة من اجل انجاح هذه الحملة. مضيفا " كنا نأمل ان يشارك المواطنون الذين حُرِموا من الادلاء باصواتهم لعدم ظهور اسمائهم في قوائم الناخبين. موعزا السبب وراء ذلك. إمّا عدم مراجعتهم لسجلات الناخبين قبل اجراء الانتخابات لتحديث سجلاتهم او لبعد المسافة بينهم وبين مراكز الاقتراع المخصصة لهم وعدم تيسّر وسائط النقل او لاسباب اخرى".
واكد الشيخ الكربلائي على ضرورة أن تجري المفوضية العليا المستقلة للانتخابات فرز وعدّ الاصوات لاعلان النتائج النهائية بمهنية عالية وبعيدة عن الشبهات، لئلا تدخل في معترك الطعن والاتهام الذي قد يؤخر ويربك الاجراءات المتخذة لبدء عمل مجلس النواب.
كما ودعا سماحته الكتل السياسية، بعد ان انتهت مرحلة الانتخابات وقدّم الشعب العراقي هذه التضحيات وادى المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقه، " ان يكون هناك تقدير وتثمين لهذا الدور البطولي للشعب العراقي.. وليس المطلوب هنا شكر وتقدير بالكلام من هذه الكتل للشعب العراقي.. بل تحمّل المسؤولية – عاجلاً – في الاشهر القادمة بحيث يغلبّوا مصالح الشعب العراقي على التجاذبات السياسية فيما بينهم وذلك بتشكيل الحكومة بأسرع وقت ممكن، موضحا ان تشكيل الحكومة يجب ان يكون تشكيلاً لحكومة قوية قادرة على ان تنهض باداء وتحمل المسؤولية الملقاة على عاتقها في توفير الاستقرار الامني الدائم وتقديم الخدمات وتوفير فرص العمل ورعاية الطبقات الفقيرة والمحرومة وانشاء المشاريع المختلفة لتطوير البلد في مختلف الميادين وتوفير حاجات المواطنين"..
واضاف " نأمل ان يكون الوزراء الذين تتشكّل منهم الحكومة القادمة ممن يتصفون بالكفاءة والنزاهة والحرص على خدمة المواطنين والقدرة على تحمّل المسؤولية بما تمليه الظروف الراهنة التي يمر بها بلدنا وشعبنا.. وهذا ما أكدّت عليه المرجعية الدينية العليا".
واختتم الشيخ الكربلائي حديثه قائلاً "ان الشعب الذي امتثل لتوجيهات المرجعية الدينية العليا فسطّر هذه الملحمة الوطنية، يستحق ان تكون له حكومة مشكلة من وزراء يتصفون بما وجهّت به المرجعية الدينية العليا، حتى تكون قادرة على الوفاء بالالتزامات التي قطعتها الكتل السياسية المشاركة في الانتخابات من خلال برامجها الانتخابية التي طرحتها على ابناء الشعب العراقي".