
الخطبة الأولى
إن الكثير من الآيات القرآنية تريد من الإنسان أن يعيش أجواء الآخرة، بأهوالها وشدائدها ومصاعبها، وكي لا تلهيه عنها المشاغل الدنيوية وتصرفه زينة الحياة الدينا عن أن يكون متذكراً لما سيؤول إليه حاله في اليوم الآخر.
لذلك فهي تصف أهوال الآخرة، لكي يعيشها الإنسان دائماً؛حتى يتولد لديه الخوف والوجل من أهوال ذلك اليوم، وما فيه من شدائد وصعوبات، وعقاب وحساب، ولكي تتولد لديه أيضا، حالة من حالات المراقبة الدائمة لتصرفاته وسلوكه وأقواله وأفعاله، فيتولد الحافز والباعث على طاعة الله تعالى، وبالتالي اجتناب نواهيه ومعاصيه، ومن جملة تلك الآيات التي تصف لنا الآخرة، وتذكرنا بها لئلا تصرفنا الحياة الدنيا، عن تذكر تلك الأهوال، كما وتذكرنا بتلك الأحوال حتى نتوجه إلى الله تعالى، ويتولد في قلوبنا الخوف والوجل من ذلك اليوم. حيث يقول تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [لقمان : 33]
مما لا يخفى على احد، نوع العلاقة وطبيعتها العاطفية، التي تربط ما بين الأب وإبنه، وما بين الأم وأولادها... حيث يحفها الحنان والشفقة والرأفة، حتى إن الوالد والوالدة على استعداد دائماً، أن يضحوا بكل شيء من اجل أن يدفعوا ما هو ضار عن أولادهم، كما وإنهم مستعدون أن يضحوا بأنفسهم، ويفدوا أنفسهم لأولادهم، وهذا ما نراه واضحاً في هذه الحياة الدنيا.. لكن ومع قوة هذه العاطفة - كما أسلفنا القول- المتصفة بالرحمة والرأفة والشفقة من الوالد بولده، والأم بأبنائها، تحتار هذه الأم العطوف الحنون، ويحتار هذا الأب الرؤوف الرحيم يوم القيامة، فالكل يومئذ محتار بحاله، ووضعه حينذاك يشغله عن أن يفكر- مجرد التفكير- بالنظر إلى حال سواه ، حتى ولو كان ابنه أو ابنته، فضلاً عن استطاعته أن يفعل شيئاً لحمايتهما أو تخليصهما من الحساب، وهو عاجز عن تقديم مثل ذلك الشيء لنفسه؛ فكيف يكون كذلك اتجاه الآخرين؟
ثم يقول تعالى:(وَاخْشَوْا يَوْماً لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ ) فان الجزاء هنا له معنيان : أما المكافأة والمعاقبة، وأما الكفاية والنيابة، وتحمـّل الشيء عن الآخرين، يعني هذا الأب وهذه الأم الذي يتحملون كل المصاعب والأذى، من اجل أولادهم في يوم القيامة، لا يتحملون أي شيء، ويصاب الإنسان بالذهول، حتى لا يفكر في أحوال الأعزة والأحبة.. بل ينساهم في خضم أهوال يوم الحساب، وهذا الحال نفسه بالنسبة للأبناء؛ فتراه منشغلا بحاله ولا يفكر أصلاً.. فيما يكون عليه حال والده أو والدته أو أي شخص آخر عزيز، ومحبوب لديه.
إن هذه الآية تصور لنا مثل هكذا حال؛ لكي نعيش دائماً تلك الأجواء، ونستعد لها. . ونستشعر أجوائها الرهيبة.. لكيلا تتغلب علينا هذه الحياة الدنيا التي ننشغل بها، وتصرفنا شؤونها وشجونها عن الاستعداد لليوم الآخر..
ثم يقول تعالى:( إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ )
إن هذه الآية تبين الأحوال التي نَصِفها لليوم الآخر، إنما هي حق وأمر واقع، ولا تصور ذلك كونه خيال (ولا يغرنكم بالله الغرور) فهناك سببان يشغلان الإنسان عن التوجه للآخرة وكما يلي:
أولاً : الحياة الدنيا بما فيها من زينة وزخرف.
ثانيا: خداع الشيطان وتسويفاته.
فالآية تحذر الإنسان وتدعوه لأن يعيش أجواء الآخرة، وفي نفس الوقت تنبهه وتحذره من غرور الدنيا، ومن غرور المال والجاه والمنصب، وغير ذلك من أمور الدنيا . .
فهناك إمهال من الله تعالى، وبمقتضى رحمته الواسعة تعالى؛ يمهل الإنسان، ويعطيه فرصه للتوبة والرجوع إليه، ويفسح له المجال لكي يترك المعاصي والذنوب والآثام.. ولا يعجـل بالانتقام منه.
أخيراً، فان الإنسان بما يمتلكه من مال وسلطة وجاه ومنصب، ومن ثم ما يظنه بان أمامه من سنين طويلة، يعد هذا أيضاً من الغرور، فيغره هذا الأمل، ويصرفه عن التوجه إلى الآخرة.. فالإنسان لا يعلم كم مقدر له من العمر في هذه الحياة الدنيا.. وعندما يأتي الموت حئنئذ لا يتمكن من تدارك ما فعله من معاصي وذنوب وتقصير.. لكن الله تعالى يحذر؛إن يا أيها الإنسان، لا يخدعك الشيطان بالأماني والتسويف والمماطلة، فانتبه إلى هذه الخدع الشيطانية، وعليك دائماً أن تتذكر هذه الأجواء في الآخرة وإنها ستأتي إليك عاجلاً .
الخطبة الثانية
اكد ممثل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف على ان بذل الاموال والهدايا والوعود لحمل الناخب على انتخاب قائمة معينة او مرشح معين، محرم شرعا. كما ان المال المأخوذ هو سحت او حرام. محذرا في الوقت نفسه من عدم المشاركة في الانتخابات المقبلة، لاجل قطع الطريق امام من يرفض الاسلوب الديمقراطي في انتقال السلطة وادارة شؤون البلاد وابعادها عن الانقلابات العسكرية.
وبين سماحة الشيخ (عبد المهدي الكربلائي) خلال خطبة صلاة الجمعة (11ربيع الاول1431 الموافق 26 شباط 2010) التي اقيمت في الصحن الحسيني الشريف " ان المرجعية الدينية لا تدعم اية قائمة مشاركة بالانتخابات وان اي كلام خلاف ذلك هو غير صحيح. وان سماحة المرجع الديني الاعلى آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني(دام ظله) قد حذر من عدم المشاركة، لان ذلك سيمنح الفرصة للآخرين ممن يرفضون الاسلوب الديمقراطي في انتقال السلطة وادارة شؤون البلاد ويتخذون من العنف والاساليب غير المشروعة وسيلة لتغيير الواقع والوصول الى الحكم وفرض نهجهم على الاخرين. وهذا سيؤدي الى دخول البلاد في دوامة من الفوضى وعدم الاستقرار بصورة دائمية ".
وقال سماحته " ومن اجل قطع الطريق امام هؤلاء، وحتى لايتمكنوا من اعادة العراق الى المربع الاول، فلابد من مشاركة الجميع في الانتخابات. وكل ذلك من اجل تأسيس وترسيخ الاسلوب الديمقراطي في تداول السلطة، وإبعاد شبح العنف والانقلابات العسكرية عن البلاد. اما اذا ماعزف المواطن عن المشاركة في الانتخابات، فسياتي يوم يندمون فيه اشد الندم على ذلك ولكن بعد فوات الاوان ".
وتابع الشيخ (الكربلائي) "ان المرجعية الدينية العليا، وانطلاقا من موقعها، وهو الرعاية الابوية للجميع، لاتتبنى او تدعم اية قائمة مشاركة في لانتخابات. وان اي كلام خلاف ذلك هو غير صحيح. ويرجى عدم الاستماع الى مايصدر من هنا وهناك من شائعات تذكر ان للمرجعية موقفا ظاهرا معلنا. ولكن لها موقف آخر باطن يخالف هذا الموقف و(ان المرجعية الدينية العليا اسمى واجلُّ من ان يكون لها موقف ظاهر معلن وموقف آخر مخالف له باطن. فالمرجعية لاتخشى احدا ولا تتقي من احد. فان كان لها موقف فهي تعلنه ولاتتردد ابدا من بيان اعلانه ).
وأشار سماحته الى " ان المرجعية الدينية العليا تشدد على ضرورة ان يختار الناخب القائمة الافضل والاكثر حرصا على مصالح العراق في حاضره ومستقبله واقدرها على تحقيق ما يطمح اليه شعبه الكريم من الاستقرار والتقدم. لذلك لايكفي اصل المشاركة، بل لابد من حسن الاختيار للقائمة وكذلك المرشح. فلا يكفي اختيار قائمة هي جيدة بنظر المواطن من دون ان يختار المرشح الجيد ايضا والتي تتوفر فيه صفات الكفاءة والامانة والالتزام بثوابت الشعب العراقي " .
ونبـّه ممثل المرجعية الدينية العليا الى " اختيار القائد الجيد والمرشح الجيد، حتى ولو كان تسلسله متأخرا في القائمة الانتخابية. كأن يكون عشرين او ثلاثين او غير ذلك. داعيا الى ان يتحرى الناخب جيدا عن المرشحين قبل الادلاء بصوته، ويختار الافضل منهم. وان بذل الاموال والهدايا والوعود لحمل الناخب على انتخاب قائمة معينة او مرشح معين، هو امر غير جائز شرعا ولا اخلاقا. وهو امر غير مقبول من الدين والاخلاق ومحرم شرعا. كما ان المال المأخوذ هو سحت او حرام اضافة الى ان جرَّ الناخب لانتخاب قائمة معينة او مرشح معين تتنافى مع كرامة الشعب العراقي والفرد العراقي لكون هذا الشعب شعبا ابيا ونزيها وله كرامة يرتفع بها عن قبول الاموال لشراء ذمته".
وفي ختام الخطبة نقل سماحة الشيخ (عبد المهدي الكربلائي) عبارة وردت من مكتب المرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف، ونصها (ان صوتك ايها المواطن العراقي وصوتك ايتها المواطنة العراقية اغلى من الدنيا ومافيها فلا تبيعوا الشيء الغالي والنفيس بثمن بخس).