m

خطب الجمعة

خطبة الجمعة المقامة في الصحن الحسيني الشريف
الموضوع السابق
الموضوع التالي

تاريخ النشر 22 ربيع الأول 1431 | الاثنين 08 آذار 2010

خطبتا صلاة الجمعة (4 ربيع الاول 1431 الموافق 19 شباط 2010) لسماحة السيد احمد الصافي

back fsize+ fsize-  send print 
1278

الخطبة الأولى

إن من الأمور التي تعيننا على التقوى، هي محاولة المعرفة لما يقابلها من صفات، والمقصود بمعرفة ما يقابلها -أي التقوى- لا في هذه الدنيا فحسب، وإنما ما يترتب على الذنب والخطيئة من عقوبة في يوم القيامة. وما يتبع ذلك من عذاب مقيم.

حيث إن مشاهد يوم القيامة، مشاهد مرعبة بالحقيقة، تفوق حدّ التصور البسيط، إن لم يتم العمل على محاولة استحضارها في الذهن وتمثلها، من خلال ما جاء في وصف آيات القران الكريم، والإنسان كلما تأمل بالمصير الذي ينتظره بعد أن يترك هذه الدنيا رغماً عنه، ومن ثم يفكر بالمصير الذي عليه مواجهته وحيدا، فانه حتما يعيش حالة من حالات القلق، وحالة من حالات الخوف، لذا سيظل المؤمن دائماً يحيا ما بين الخوف والرجاء، لكن الإنسان عندما يرجو العمل؛ لا بد أن يتهيأ له، فلا يمكن للإنسان أن يرجوا الجنة وهو لا يعمل لها، ولا يمكن أن يخاف النار، لكنه لا يهرب منها.. إن الصور التي يرسمها القران الكريم صور في غاية الأهمية لنا، ففي سورة النساء صورة من هذه الصور التي تمرعلينا. قال الله تبارك و تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً [النساء : 56].

إن الله تعالى يقول:(إن الذين كفروا) حيث إن هناك غفلة تغشى الإنسان، وإنه يكفر، ويفسق، ثم يتمادى، لكن الله تعالى يريد أن ينبـّه هذا المسكين، وان تمادى، وفعل ما فعل، وارتكب ما ارتكب في الدنيا، فكم سيعمر الإنسان في هذه الدنيا؟

فالإنسان عندما يرتكب المعاصي تلو المعاصي؛ أليس نتيجتها سيكون الجزاء الأخروي، وان الله سبحانه وتعالى مهيئه للنار؟ وبالتالي فالنار لا تكتفي وهي دائما تطلب المزيد قائلة:هل من مزيد؟ فمثل هذا الإنسان إذن، سيصبح مجرد وقود لنار جهنم.

إن الآية الكريمة تبين بان الذي يكفر، سيدخله الله تعالى في هذه النار، والذي يدخل إلى النار.. لا هو باق بلذة، ولا هو ميت حتى يستريح، وان هذه النار تختلف عن نار الدنيا.. فهي نار غير مميتة، والقرآن الكريم يعرض صورة مرعبة هنا.. إضافة إلى عذاب النار، وهي حالة (كلما نضجت جلودهم من النار بدلناهم بجلود غيرها).

إن الإنسان في النار جلده بين نضج وتبديل، ولا يوجد له مجال حتى يرتاح.. والقرآن يعلل ذلك ( ليذوقوا العذاب ) أي أن يبقى في عذاب دائم.. فهو بين صراخ وألم واهانة في النار، ولا توجد في الدنيا صورة قريبة لهذا التصوير.

بعض الذين يقرأون هذه الآية قد يُشكل عليها إشكال، كما في زمن الأئمة الأطهار(عليهم السلام) وهذا الإشكال مفاده، إذا كان هذا الجلد هو الذي أذنب، فما هو ذنب الغير (بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ ) لاحظوا تعبير القران ( ليذوقوا العذاب ) فالكلام هنا ليس للجلد وإنما مع الذين كفروا..

كيف هذا الجلد الذي لم يذنب الله يبدله عندما ينضج بغيره؟

لاذ البعض بالإمام الصادق(عليه السلام) وسألوه عن هذه الآية.. ففي رواية عن حفص بن غياث القاضي قال: ( كنت عند سيد الجعافرة جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) لما أقدمه المنصور فأتاه ابن أبي العوجاء وكان ملحداً فقال ما تقول في هذه الآية ( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ ) هَب هذه الجلود عصيت فعُذبت فما بال الغير ؟ قال أبو عبد الله ( عليه السلام): ويحك هيَ هي َ وهي غيرها. .

فاحتار الملحد في هذا الجواب فأصر على استيضاح أكثر فقال: اعقلني هذا القول وفي بعض الروايات قال: أعطني مثالاً من الدنيا.. فقال له الإمام ( عليه السلام) : أرأيت لو أن رجلاً عمد إلى لِبنَة(وهي قطعة من الطين) فكسرها ثم ذب عليها الماء وجبلها ثم ردها إلى هيئتها الأولى، ألم تكن (هي َ هي َ وهي غيرها ) فقال : بلى، ثم اعترف الملحد وقال للإمام ( عليه السلام): أمتع الله بك..

هذه الصورة ليس النظر منها إلى شدة نار جهنم، وإنما صورة حقيقية مرعبة والإمام يؤكد ويعطي هذا المثال للملحد حتى يتيقن، ويعترف.

أخيراً، إن الصراع بين الشيطان والحق صراع لا ينتهي، وبالنتيجة فان الإنسان لا بد أن يخرج من الدنيا وهو مهيئ، لأن يدخل في رحمة الله تعالى بأي نحو من أنحاء الرحمة بسعة رحمة الله تعالى وشفاعة الأئمة الأطهار(عليهم السلام).

الخطبة الثانية

تعرض ممثل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف الى البيان الذي صدر من المرجعية بشأن الانتخابات قائلا " اننا نقترب شيئاً فشيئاً من الانتخابات. وهذا المطلب هو مهم بالنسبة الى الشعب العراقي. ويحتاج من الجميع الى مزيد من التبصر في هذه المشاركة، التي نعتقد انها مهمة لصناعة الحياة السياسية في البلد".

واضاف سماحة السيد ( أحمد الصافي) خلال خطبة صلاة الجمعة (19/2/2010 الموافق 4 ربيع الاول 1431 ) " ان البلد في هذا الظرف يحتاج الى كل جهد مميز. بل الى تظافر جهود كثيرة من اجل تجاوز كثير من العقبات التي مرت على البلد او تثار على هذا البلد. وهذه المسؤولية ملقاة على الجميع بدون استثناء. والمسائل تؤخذ عن طريق التفكر والخطوات المهمة التي تصنع تاريخ هذا البلد. . البلد يحتاج الجميع في هذه الظروف القاسية والحساسة. وكل منا لديه مجموعة اشكالات على زيد او عمر، وعلى اداء هذا او ذاك. لكن هذا كله لا يكون شفيعاً لنا في ان نجلس في البيوت ونترك الامور تجري بلا ان يكون لنا فيها رأي "

واعتبر سماحة السيد الصافي ان " هناك مساحة وحرية كبيرة للناخب المحترم ان يختار من القوائم من يتمتع بمواصفات خاصة، منها الكفاءة والامانة والالتزام بثوابت الشعب، محذرا بالوقت نفسه من الابتعاد والانكفاء عن الانتخابات. فلابد من خوض هذه المسألة وبقناعة الاخوة الناخبين التي لا اعتقد انها بعيدة عن الواقع ".

وقال السيد الصافي " ان حقيقة القائمة المفتوحة تعطي حرية للناخب ان يضع بنفسه علامة الصح امام من يريد. وهذا الصوت وهذا الفعل هو اغلى ما عند الانسان فلا يحاول ان يُصادَر بطريقة او باخرى، من خلال دفع اموال من اجل شراء هذه الاصوات. وهذا تصرف غير صحيح. وان طريقة القسم بالقرآن في ان ينتخب زيد من الناس او عمر كلاما فارغا وغير مسؤول وليس فيه اي التزام ديني. . حيث ان هذه المسألة تتعلق بحرية الناخب فيمن يرى وقناعته وهو يتحمل المسؤولية ".

من جانب آخر تطرق ممثل المرجعية الدينية العليا الى ان العتبتين الحسينية والعباسية المقدستين شكلتا وفدا زار المحافظات التي سقط منها شهداء وجرحى خلال التفجيرات الارهابية التي حدثت في اربعينية الامام الحسين عليه السلام. داعيا الى تدوين وتوثيق اسماء الشهداء الذين سقطوا خلال المسيرة الى كربلاء وعلى جميع من بداخل وخارج العراق ان يطلع على عظمة هذا الشعب وعظمة هؤلاء العوائل من الذين فقد بعضهم سبعة من بناته و آخر فقد رضيعه واخرى فقدت الاخوات والاطفال الرضع وغير ذلك من الصور الكثيرة. مؤكدا ان هذه تحصل في كل مناسبة مليونية تاتي لزيارة العتبات المقدسة ".

واضاف سماحته" هذه رسالة من هذا المكان الى الاخوة الساسة في العراق ان يعرفوا (عندما يتبوئون مقاعد سياسية فإنهم يرتكزون على شعب بهذه العظمة) فعليهم ان يبذلوا قصارى جهدهم من اجل اسعاده ".

فهؤلاء الاخوة الذين اصيبوا من جراء هذه الانفجارات او الذين فقدوا اعزائهم شهداء عندما اتصلنا وتكلمنا معهم مباشرة وجدنا عندهم اصراراً منقطع النظير للمواصلة والاستمرار والتضحية. وان هؤلاء هم الرصيد الشعبي وهؤلاء هم الشعب العراقي. وان كل هذه العوائل عوائل فقيرة ومعدمة لم يصلهم احد وفي بعض القرى من الصعب ان تصل له سيارة. . والكلمات عاجزة عن وصف حالهم".

وختم سماحة السيد أحمد الصافي الخطبة بقوله " ان الشعب الذي فيه هذه الحياة الحسينية. . هو شعب لا يموت. . والشعب العراقي شعب يريد ان يصنع الحياة. . وإننا بهؤلاء القدوة سنصنع الحياة الكريمة ". .

واعد كافة الجرحى بتحمل مسؤولية علاجهم في اي مكان آخر سواء بالعراق او خارجه ".