
الخطبة الأولى
ما زال الملايين من محبي الإمام الحسين(عليه السلام) يتوجهون مشياً على الأقدام،لأداء مراسم زيارة الأربعين ،ومن المعلوم فإنها من المستحبات الأكيدة،حتى عدها بعض العلماء من ضروريات المذهب،مثل صاحب كتاب الجواهر وغيره.وقد ورد في فضل زيارته روايات مستفيضة منها ما ورد عن أبي جعفر(عليه السلام):"مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين بن علي (عليه السلام)فان إتيانه مفترض على كل مؤمن ومؤمنة يقر للحسين (عليه السلام)بالخلافة من الله ".وعن أبي عبد الله (عليه السلام):"من لم يأت قبر الحسين (عليه السلام) من شيعتنا كان منتقص الإيمان منتقص الدين".
ولعل السر في هذا الفضل والثواب لزيارة الإمام الحسين(عليه السلام) وأهل البيت(عليهم السلام)هوان في زياراتهم صلة وبراً لهم ولرسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ولأمير المؤمنين(عليه السلام) وفاطمة الزهراء (عليها السلام)وإجابة لهم،وتجديد عهد لولايتهم،وإحياء لأمرهم،وتبكيتاً لعدوهم .ومن جملة هذه الزيارات زيارة الأربعين وقد ورد في بعض الروايات إنها من علائم الإيمان..فقد روى الشيخ الطوسي بالإسناد إلى مولانا الحسن بن علي العسكري ( عليه السلام) انه قال:" علامات المؤمن خمس صلاة إحدى وخمسين وزيارة الأربعين والتختم باليمين،وتعفير الجبين،والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " .
وقد روى هذا الحديث الكثير من علماء المذهب..وقد ذكر العلامة المجلسي في البحار:" المشهور بين الأصحاب إن العلة في ذلك (استحباب زيارة الأربعين ) رجوع حرم الحسين(عليهم السلام ) في مثل ذلك اليوم إلى كربلاء عند رجوعهم من الشام .ومن الواضح إن مشروعية زيارة الأربعين تستند إلى أمر الأئمة (عليهم السلام) لنا بالإتيان بها،وما يحاوله البعض من حمل الحديث على غير معناه حيث قال : إن المراد بزيارة الأربعين هو زيارة أربعين مؤمناً فقد قال السيد المقرّم في مقتل الحسين(عليه السلام):"وهذا التواء في فهم الحديث وتمحل في الاستنتاج يأباه الذوق السليم مع خلوه عن القرينة الدالة عليه،ولو كان الغرض هو الإرشاد إلى زيارة أربعين مؤمن لقال( عليه السلام):( وزيارة أربعين مؤمنا ).
والملاحظ إن علمائنا يستشهدون بهذا الحديث بشكل أساسي عند كلامهم عن زيارة الحسين(عليه السلام)في العشرين من صفر،ومن جملة الأحاديث في فضل زيارة الحسين (عليه السلام):( ما من أحد يوم القيامة إلا وهو يتمنى انه من زوار الحسين (عليه السلام) لما يرى مما يصنع بزوار الحسين(عليه السلام)من كرامتهم على الله ) .ومن اجل أن يحقق الزائر الثواب العظيم الذي يرجوه من الزيارة،ويصل ما يتأمله من الأهداف؛فلا بد أن يتحلى بمجموعة من الصفات والآداب والسلوك،ومن دونها لا تتحقق الزيارة المرجوة،بل لا تعد زيارة أصلاً،ويتضح لنا من خلال الحديث الآتي عن الإمام الصادق(عليه السلام)هذا المعنى:روى المفضّل بن عمر عن الإمام الصادق(عليه السلام):" تزورون خيرٌ من أن لا تزوروا ، ولا تزورون خير من أن تزوروا".تعجّب المفضل وقال للإمام الصادق(عليه السلام) قطعت ظهري بكلامك هذا،فقال له الإمام موضّحا ً:" تالله إن أحدكم ليذهب إلى قبر أبيه كئيباً حزيناً،وتأتونه( أي الإمام الحسين(عليه السلام)أنتم بالسُّفر .. كَلاّ حتى تأتونه شُعثاً غُبراً ".
يتبين من هذه الروايات إن فريقين من الناس يأتون لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) الفريق الأول هم الذين يزورون الإمام (عليه السلام)عارفين بحقه فهؤلاء إن يزوروا خير ٌ من أن لا يزوروا.
أما أولئك الذي يأتون للزيارة وكأنهم خارجون للنزهة والسياحة،وكما عبّر عنهم الإمام " بالسُّفَر" فهؤلاء لا يعرفون حق الإمام (عليه السلام)ولا يعظّمون مصابه،وقد ورد في بعض الأحاديث،ومنها ما ورد عن أبي جعفر( عليه السلام)كما رواه محمد بن مسلم فيما ينبغي عن الزائر: قال :" يلزمك حسن الصحبة لمن صحبك،ويلزمك قلة الكلام إلا من خير،ويلزمك كثرة ذكر الله،ويلزمك نظافة الثياب،ويلزمك الغسل قبل أن تأتي الحير،ويلزمك الخشوع وكثرة الصلاة والصلاة على محمد وآل محمد،ويلزمك أن تغض بصرك،ويلزمك أن تعود على أهل الحاجة من إخوانك إذا رأيت منقطعا،والورع عما نهيت عنه والخصومة وكثرة الأيْمان والجدال".
ثم بيّن الإمام (عليه السلام) في آخر الحديث انه إذا فعل الزائر ذلك وغيرها من الأمور التي لم نذكرها في هذا الحديث وقد وردت فيه؛استوجب مِنَ الذي طلب ما عنده بنفقته واغترابه عن أهله ما يأمله من المغفرة والرحمة والرضوان (كامل الزيارات – ص130)
فعلى الزائر أن يلتزم بمجموعة من الأمور حتى ينال الثواب والأجر الذي أعدّه الله تعالى له:
1- أن يسير وعليه السكينة والوقار وان يكون خاضعا خاشعا.
2- أن يشغل لسانه وهو يمضي إلى الحرم المطهر بالتكبير والتسبيح والتهليل والتمجيد ويعطر فاه بالصلاة على محمد و آل محمد (صلى الله عليه واله وسلم).
3- أن يقف على باب الحرم ويجتهد لتحصيل الرقة والخضوع والانكسار والتفكير في عظمة صاحب المرقد الشريف .
4- أن يجتهد الزائرون في شكر الله تعالى على نعمته هذه وسائر نعمه فانه مسبب الأسباب وهو حازم أحزاب الضلالة والطغيان وليكن الشكر عملياً ولسانياً وذلك من خلال الحفاظ على قدسية هذه الشعائر بالتزام أوامر الله تعالى ومجانبة معاصيه والتورع في الأمور،والتثبّت فيها والحفاظ على تعاليم الأئمة (عليهم السلام) في جميل المعاشرة ونزاهة السيرة وصدق الحديث وأداء الأمانة.
5- أن تكون المسيرة والزيارة حسينية خالصة لله تعالى ولسيد الشهداء(عليه السلام)وإبعادها عن أي شعارات أو مظاهر سياسية،ولنجعل منها مظهراً للتفجع لمصيبة سيد الشهداء(عليه السلام)والولاء لأهل البيت(عليه السلام) واللعنة لقاتليه،والتذكير بمقامهم،وعظيم منزلتهم والبراءة من أعدائهم،وغاصبي حقوقهم .
6- على الزائرين التوادد فيما بينهم والتحابب والتآلف والتعاطف وتثبيت أواصر الإخوة فيما بينهم تبعاً لوحدة الهدف وشرف الغاية وقدسية الدعوة .
7- إن المحافظة على قدسية هذه الشعائر يقتضي؛الابتعاد عما يثير الفتنة والفوضى،وتفريق الكلمة، وعلى جميع المؤمنين،أن يكونوا،واعين لأي دعوة يشمُّ منها رائحة إثارة الفتنة والاختلاف والشقاق بين الزائرين،ولا يعطوا مجالاً لمثل هذه الدعوات، بل يقفوا في وجهها وينبّهوا لخطورتها.
إن الالتزام بتعليمات الأئمة الأطهار ومراجعنا العظام هو الذي سيوصلنا إلى تلك الدرجة الرفيعة التي بينّها الأئمة الأطهار لزائر الحسين(عليه السلام) . قال أبو عبد الله الصادق ( عليه السلام) :" من خرج من منزله يريد زيارة قبر الحسين بن علي(عليه السلام)انه كان ماشياً كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحى عنه سيئة،حتى إذا صار في الحائر كتبه الله من المفلحين المنجحين ، حتى إذا قضى مناسكه كتبه الله من الفائزين ، حتى إذا أراد الانصراف أتاه ملك فقال:إن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يُقرؤك السلام ويقول لك استأنف العمل فقد غفر لك ما مضى.
أخيراً يتضح من هذا الحديث استحباب زيارة الإمام الحسين(عليه السلام) مشياً على الأقدام لذلك فهي سُنّة حسنة تعود جذورها إلى عصر الأئمة المعصومين (عليهم السلام) فهم أنفسهم رغبّوا في المشي إلى زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ..
الخطبة الثانية
أهاب ممثل المرجعية الدينية العليا بمسؤولي الأجهزة الأمنية بتفعيل الجهد الاستخباراتي للقضاء على الزمر الإرهابية التي تقف وراء التفجيرات الأخيرة التي حصلت في الاسبوع الماضي. مشيرا أنه قد تزامن معها حديث في بعض الصحف الأجنبية عن عدم فاعلية أجهزة كشف المتفجرات المستعملة من قبل الأجهزة الأمنية.
وتساءل سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في خطبة صلاة الجمعة (13 صفر 1431هـ الموافق 29/1/2010م) التي أقيمت في الصحن الحسيني الشريف " لا يُعلَم لحد الآن مدى دقة هذا الكلام، فربما يكون صحيحاً وربما يكون بعيداً عن الواقع وتقف خلفه أهداف خاصة؟!" .. معربا في الوقت نفسه أن هناك جهات أمنية اعتبرت هذا الكلام ليس بصحيح وان سوء الاستخدام للجهاز هو الذي يجعله غير فاعل في كشف المتفجرات ..
وأضاف سماحته " كما نُشِرت معلومات استخباراتية بيّنت لجوء هذه الجماعات الإرهابية إلى أساليب جديدة لإخفاء المتفجرات في السيارات المفخخة... ونطالب الإخوة في الأجهزة الأمنية بإجراء التحقيق في الدعوى المذكورة المتعلقة بعدم فاعلية هذه الأجهزة فربما تكون هذه الدعوى صحيحة وربما تكون باطلة "..
وتابع سماحته " ان الأساليب الجديدة تستدعي تفعيل الجهد الاستخباراتي لان الجماعات الإرهابية تحاول دائماً ابتكار أساليب جديدة لإخفاء المتفجرات كلما وجدت إن الأجهزة الأمنية أصبحت قادرة على كشفها. وقد اتضح كيف إن هذا الجهد يعد عاملاً أساسيا في منع وقوع العمليات الإرهابية، حيث كُشف قبل أسابيع قليلة عن وجود مخطط لاستهداف مجموعة من الوزارات، وتم إحباط المخطط عن طريق كشفه من قبل العناصر الاستخباراتية " ..
ومع اقتراب زيارة الأربعين حيث يتوافد الملايين من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ولقرب هذه الزيارة من موعد إجراء الانتخابات ولطبيعة الظروف السياسية والأمنية التي يمر بها البلد فان الجماعات الارهابية ستحاول استهداف المواكب والزائرين، لذلك طالب ممثل المرجعية الدينية العليا الجميع الالتزام بالنقاط التالية:
1- المزيد من اليقظة والحذر من محاولات هذه الجماعات الإرهابية للنيل من هذه المواكب والزائرين حين عودتهم إلى مدنهم ..
2- نشر العناصر الاستخباراتية في المناطق التي يتوقع انطلاق الإرهابيين منها لضرب المواكب والزائرين ..
3- نثّمِّن جهود الإخوة في الأجهزة الأمنية ونتفهم مدى العناء والتعب الذي يتعرضون له أثناء وأيام الزيارة وما هو الجهد المضني والكبير المطلوب بذله خلال هذه الزيارة لإنجاحها ..
داعيا الإخوة في الأجهزة الأمنية في نفس الوقت إلى التحلي بسعة الصدر وتحمل الزائرين ومعاملتهم واستقبالهم بالحفاوة والترحيب والكلام الطيِّب فان لهم بذلك الأجر العظيم وذلك لما يتمتع به زائر الحسين (عليه السلام) من منزلة كبيرة عند الله تعالى، فخدمته والحفاظ على حياته يعتبر عملاً كبيراً عند الله تعالى ..
وذكـّر الشيخ الكربلائي إن هذه المسيرة هي مسيرة عقائدية سياسية تعبر عن تجديد العهد والولاء من هؤلاء الملايين للإمام الحسين ( عليه السلام) وتظهر مدى قوة هذا الكيان ومدى تماسكه وثباته على المبادئ. إذ رغم هذه التحديات والمخاطر إلا أن هذه الملايين ما تزال في كل عام تزحف نحو قبر سيد الشهداء ( عليه السلام) متحدية الإرهابيين وجرائمهم .. موجها خطابه إلى الإخوة في الأجهزة الأمنية ببذل المزيد من التنبّه واليقظة لحماية هذه المسيرة وإنجاحها .. كما طالب الزائرين إتباع مجموعة من التوصيات والتوجيهات لإنجاح هذه الزيارة .
1- الحفاظ على قدسية الزيارة وإبراز أهدافها السامية من خلال الالتزام بأداء الصلوات في أول أوقاتها والابتعاد عن المعصية والحرمات والتشاحن والتزاحم ..
2- الحذر من محاولات البعض لإثارة الفتنة والفوضى أثناء الزيارة فان ذلك يخدم أعداء المذهب ويؤدي إلى فشل الزيارة – لا سمح الله تعالى – وتشويه سمعة مذهب أهل البيت .. بل المطلوب أداء الزيارة وفق الآداب التي بيّنها الأئمة ( عليهم السلام)..
3- محافظة الشباب والنساء على العفة أثناء أداء الزيارة بحيث يتورعون عن ارتكاب ما يؤدي إلى توهين الزيارة أو ارتكاب المحرم أو تشويه سمعة المذهب ..
وفي ختام الخطبة الثانية دعا الشيخ الكربلائي جميع الدوائر والجهات القادرة على توفير وسائط النقل من وزارة النقل والتجارة والأجهزة الأمنية على أن تبذل قصارى جهودها لتوفير هذه الوسائط. مذكرا أن هذه الملايين بعد انتهاءها من أداء مراسيم الزيارة تعاني من طول الطريق حتى تصل إلى أماكن تواجد السيارات التي تقلهم إلى مدنهم. وهذه الوسائط قليلة قياساً بهذه الأعداد الهائلة، داعيا الجهات المسؤولة أن لا تألوا جهداً في توفير وسائط النقل بمختلف أنواعها وأحجامها .. كما دعا وزارة النقل إلى وضع مشاريع جديدة وفعالة لحل هذه المشكلة وذلك من خلال إنشاء مشاريع جديدة للنقل تستوعب أعدادا كبيرة. وكذلك توفير وسائل لتقليل المسافات بين مركز المدينة وأماكن تواجد هذه السيارات ..