عودة | تكبير | تصغير

خطبتا صلاة الجمعة (29 محرم الحرام 1431هـ الموافق 15/1/2010م ) بإمامة الشيخ الكربلائي

1244
تاريخ النشر 29 صفر 1431 | 13/02/2010

الخطبة الأولى

بدءا ًأوصيكم – عباد الله تعالى – ونفسيَ المتبعة لأهوائها وشهواتها، بتقوى الله تعالى فإن الله تعالى قد جعل التقوى طريقاً للنجاة من العذاب الأليم، والفوز بالنعيم المقيم، وقد جاء في محكم كتابه الكريم:

[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (13) ]

في هذه الآيات القرآنية الكريمة، يدعونا الله تعالى إلى تجارة، وأي تجارة هذه، وقد ضمن لنا مقدماً ربحها، وعرّفنا نجاحها؟ ناهيك عن إن دعوة الله تعالى هذه، لوحدها تكفي للدلالة على عظم هذه المتاجرة، ومضاعفة الربح في الدنيا والآخرة.. وكيف لا تكون كذلك، وطرفها الله سبحانه، ولا شك فإنه تعالى،غنيّ عن هذه التجارة النافعة، كونها تصب أولا وأخيراً في مصلحتنا.

فهي تجارة متعددة المنافع .. وأنّ جميع منافعها تعود على المؤمنين من عباده.

غير إن الجدير بالملاحظة هنا، التأكيد على إن المخاطب هم المؤمنون، أي إن أساس المتاجرة مع الله سبحانه وتعالى؛أن نكون مؤمنين.. إذ يقول تعالى في صدر الآية:

(يا أيها الذين آمنوا ...) لكنه في الوقت نفسه يدعوهم للإيمان والجهاد بقوله تعالى:( تؤمنون بالله ورسوله...)

والجواب:أمّا إن التأكيد على الإيمان بالله ورسوله هنا هو شرح لمفهوم الإيمان الذي عرض بصورة إجمالية في بداية الآية السابقة أو انه إشارة إلى إن الإيمان يلزم أن يكون عميقا ً ثابتا،ً وخالصاً لله سبحانه، حتى يستطيع أن يكون منبعاً لكل خير، وحافزاً للإيثار، والتضحية بالمال والنفس في سبيل الله تعالى، والجهاد لإعلاء كلمته، وطبعاً هنا لا يعتدّ هنا بالإيمان الاسمي.. السطحي،الذي يكون مجرد لقلقة باللسان من دون رسوخه كاعتقاد بالقلب، وبذا يسقط أساس المتاجرة.

فالإيمان الذي هو رأس مال هذه التجارة، والذي ينال منه المؤمن الأرباح العظيمة،

ويحرز ذلك الفوز الكبير؛ إنما هو الإيمان الثابت العميق بالله، وكذلك برسوله والتصديق الكامل بكتابه، والإتباع لمناهجه وأحكامه، ثم الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس.

والإيمان بالله ورسوله؛ إنما يكون بالتفكر في آيات الله، وعجائب قدرته، وبدائع مخلوقاته، والتدبر في آيات القران الكريم، فان التأمل في ذلك سيوصل الإنسان إلى عظمة المكوّن والخالق، وعظمة المُنزل للآيات القرآنية، ويرشد إلى صدق من انزل عليه الكتاب، والتفكّر في معانيه، وأسراره، يعرِّف الإنسان كمال الوحي، وكمال من أوحي إليه، ويحصل بذلك الإيمان الثابت بالله ورسوله، والتصديق القاطع بكتابه ودينه .

وأما الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، فان من أعظم مصاديقه في هذا الزمان، هو الجهاد في الدعوة إلى دين الله بالقول والعمل، والذود عن حياضه، والذب عن حرماته، والجهاد بالعلم والقلم، ودفع شبهات الضالين.

لذا لسوف يترتب على الأمة واجب، خاصة في زمن تكالب الفتن عليها؛ أن تشدّ أزر المدافعين عن الحق، بأقلامهم و ألسنتهم، وتكثر عددهم وتعينهم، وان يتراص أبناء الأمة فيما بينها بالحق، وان يتواصوا بالثبات عليه، والدفاع عنه، فيثبّت القوي الضعيف، ويرشد العارف الجاهل، ويوجه الكبير الصغير، ويبّلغ الشاهد الغائب، ويعلّم الذكر الأنثى، ويتآزر الجميع، على حمل أعباء الدعوة إلى الله تعالى، وتبيين معالم دنيه، ونشر شريعته في ربوع الأرض.

ومن أهم الجهاد الواجب؛ هو جهاد النفس، بأن لا يتعدى الإنسان حدود الله تعالى أو يخضع للشهوات والأهواء، وينقاد للشيطان، ومن جهاد النفس أيضا، تطهير القلب من مذام الصفات والأخلاق، والتحلي بالفضائل الأخلاقية.

ثم يأتي قوله تعالى في الآية الآتية:( يغفر لكم ذنوبكم ...) لتستعرض مرحلة الجزاء الأخروي، حيث يكون أول جزاء لهؤلاء المؤمنين، هو غفران الذنوب، باعتبارها أهم عوامل القلق النفسي، وعدم الراحة، وعندما يتحقق الغفران له، فمن المسلّم أن الراحة والاطمئنان سيتحققان للإنسان المؤمن، وذلك هو الفوز العظيم.

الخطبة الثانية

أدان ممثل المرجعية الدينية العليا ما تعرضت له مدينة النجف الاشرف مؤخراً من عمليات إرهابية ذهب ضحيتها عدد من الشهداء والجرحى. داعيا أن يتغمد الله تعالى الشهداء برحمته الواسعة ويلهم ذويهم الصبر والسلوان. وسائلا الله تعالى للجرحى بالشفاء العاجل.

وقال سماحة (الشيخ عبد المهدي الكربلائي) في خطبة صلاة الجمعة (29 محرم الحرام 1431هـ الموافق 15/1/2010م )التي أقيمت في الصحن الحسيني الشريف "يأتي هذا التفجير بعد فترة طويلة من الاستقرار في مدينة النجف الاشرف. وفي وقت حساس، حيث يقترب موعد الانتخابات التشريعية في شهر آذار المقبل من هذا العام. مطالبا أن يكون المواطن على تنبه ووعي لما يبتغي تحقيقه الإرهابيون من وراء هذه الأعمال الإجرامية. فليس المقصود فقط هو زعزعة الوضع الأمني، خاصة في مثل هذه المدن المهمة، وإيصال المواطن إلى حالة فقدان الثقة بالأجهزة الأمنية،وصرف رغبته عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية القادمة، وان كانت هذه من جملة الأهداف المنشودة لهؤلاء المجرمين. بل هناك هدف أعمق واكبر، ألا وهو إسقاط العملية السياسية والديمقراطية برمتها، والعودة بالعراق إلى المربع الأول المربع الذي يتحكم فيه الوضع الدكتاتوري وسلطة الحزب الواحد القمعية، وتغييب إرادة المواطن العراقي، فعلى المواطن أن يتنبّه إلى هذا الأمر، ومدى خطورته على بلده ومستقبله".

وتابع سماحته قائلا " بعد أن استطاع الشعب العراقي أن يحقق ويرسخ إرادته واختياره في تحديد من يحكم البلاد، ومن يدير مدنه، وبعد نجاحه في كتابة الدستور، وبناء مؤسسات دستورية، وبدأ ينهض لتطوير بلده وتعميره، ومن خلال ذلك أبعد الشعب العراقي عن نفسه شبح الانقلابات العسكرية، ووضع لنفسه نظاما للتداول السلمي للسلطة، واستطاعت الكثير من شرائح المجتمع العراقي أن تنال شيئا من حقوقها، وصار للمكونات السياسية المختلفة من أبناء هذا البلد مشاركة واسعة في السلطات الثلاث، فإن هذه العمليات المستمرة تأتي لكي تقضي على العملية السياسية. فعلى المواطن أن يكون بحجم التحدي للمخاطر التي يتعرض لها شعبه وبلده، وأن يكون واعيا لذلك، كما يجب أن يكون له موقف يناسب هذا التحدي وهذه المخاطر، خصوصا ونحن في شهر محرم الحرام..شهر التحدي للظالمين والطواغيت وأعداء الشعب الأبي " .

وأضاف سماحة الشيخ الكربلائي " صحيح إن هناك بعض السلبيات التي رافقت هذه العملية، ولكنها طبيعية بالنسبة للوضع الذي يمر به الشعب العراقي..حيث انتقل دفعة واحدة من حكم دكتاتوري إرهابي، إلى وضع ديمقراطي أتيح من خلاله لأبناء الشعب العراقي أن يحكـّم بإرادته واختياره في ملامح النظام السياسي الذي يحكمه، واستطاع من خلال ذلك أن ينال قسطا كبيرا من الحرية والتعبير عن رأيه وأفكاره " .

وفي سياق آخر أمـل الشيخ الكربلائي من الإخوة أعضاء مجلس النواب؛ الإسراع في إقرار الموازنة لعام 2010م خاصة وان تجربة العام الماضي في تأخير إقرار الموازنة، قد سبب تأخيرا في انجاز الكثير من المشاريع الخدمية والعمرانية.. بل إن هناك الكثير مما يحتاجه هذا الشعب، وهناك حاجة ماسة للإسراع في تحقيقه، ومنها مشاريع علمية وصحية وغير ذلك، مما يساهم في التعجيل بتحقيق التطور والتقدم المطلوب، وربما أعيدت الكثير من الأموال للخزينة العامة، بسبب تأخر إقرار هذه الموازنة.

وفي الختام دعا سماحته الكتل السياسية المشاركة في عضوية مجلس النواب، الإسراع بإقرار هذه الموازنة بما يساهم في الإسراع في انجاز المشاريع والخدمات والتطوير للبلد.