عودة | تكبير | تصغير

خطبتا صلاة الجمعة(22 محرم الحرام 1431هـ الموافق 8/1/2010م ) بإمامة السيد أحمد الصافي

1243
تاريخ النشر 29 صفر 1431 | 13/02/2010

الخطبة الأولى

من ضمن حديث طويل للنبي الأكرم محمد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مع الصحابي أبا ذر( رضوان الله تعالى عليه) وجهه من خلاله إلى مجموعة من القيم والمعارف، وعن طريقه جعلها تصل إلينا لكي نستفيد منها في حياتنا.

إذ قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الحديث:( يا أبا ذر إن حقوق الله (جل ثنائه) أعظم من أن يقوم بها العباد وان نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أمسوا وأصبحوا تائبين ..)

إن حقيقة هذه المعارف الإلهية التي جرت على لسان خاتم النيين وسيد الكائنات (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها الكثير من الطرائف الروحانية التي يحتاجها المؤمن في مسيرته الحياتية، وبالتالي ليعرف كيف يجب أن تكون عليه، طبيعة علاقته مع الله (جل شأنه).

بيد إن سؤالا قد يطرح نفسه ها هنا وهو: ما هو حق الله تعالى علينا؟

للجواب على هذا السؤال أقول، إن العقل لو يترك دون أن يؤثر عليه مؤثر،لا شك سنرى إن الله تعالى له علينا كمال الحق،باعتبار إن الله تعالى هو الرب، وهو الخالق، وهو المبدئ، ونحن من غير الله تعالى لا شيء،فالله تعالى أخرجنا من العدم إلى الوجود، ومن ثم منّ علينا بهذه الحواس، وأرشدنا إلى سبل الخير والصلاح في هذه الحياة الدنيا، وأعطانا العقول، وبعث لنا الأنبياء، وجعل لنا قابلية أن نعيش في هذه الدنيا، بتزويدنا بالأجهزة والوسائل حتى تكون لنا قدرة الاستمرار، فأفاض علينا الوجود، وكرمنا، ولم يكلفنا بشيء أكبر من طاقتنا، وإنما كلفنا بما يتلائم وإمكانياتنا الجسمية والنفسية..بل وأقل من ذلك أيضا، وجعل لنا بدل الحسنة عشرة، بل ضاعفها لنا أضعافا، ولكن جعل بدل السيئة واحدة مثلها، فضلا عما جعل من مواطن عديدة للتكفيرعن السيئة ومحوها، كما وفتح لنا أبواب هدايته الواسعة، وجعل لنا أزمنة وأماكن خاصة، يكون فيها الأجر جزيلا،والعمل فيها مضاعفاً، وانعم الله بكل هذه النعم علينا، وهنالك غير ذلك الكثير الكثير الذي لا يعد ولا يحصى، مع انه جل جلاله ليس بحاجة لنا أصلا ً.. فالله تعالى له تمام الحق علينا..

فنحن بالموازين الحقيقية عباد إلى الله تعالى..فمهما نعمل؛ فلا توجد مكافأة بين ما أعطانا الله وبين وما نعمل في سبيله خيراً لأنفسنا، وإنما حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد .. فهذه حقيقة قائمة لا بد أن نعترف فيها ...

إذن فنحن في كل الحالات لا بد أن نكون مقصرين، ومعنى (مقصرين) أي عندما نصلي ونبذل وندعو ونقوم بالأعمال، فإن كل ذلك لا يمكن أن يشكّل نسبة ما، إزاء عظمة انعم الله تبارك وتعالى علينا..

ولعل سؤال آخر يبرز هنا ومفاده:هل يمكن لنا أن نخرج من التقصير ؟!!

وللجواب على مثل هذا السؤال نقول:إن الله تعالى- بطبيعة الحال- لم يكلفنا بهذا كونه بالحقيقة فوق طاقتنا ، لكن الله تعالى أراد منا فقط أن نعترف بان حقوقه لا يمكن أن ننهض بها، فلا يمكن أن يمّن احدنا - والعياذ بالله- على الله لأنه صلى وصام أو التزم بهذا التكليف أو ذاك ..نحن نستشعر بالتقصير دائما وشعورنا بالتقصير هو احد موارد الشكر إلى الله تعالى..

ثم أردف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديثه إلى أبي ذر قائلا: (ولكن أمسوا وأصبحوا تائبين)

ولكن وللأسف الشديد - أحيانا – يتصور الإنسان انه عندما يجهد نفسه، ويصلي، ويعبد في وقت من الأوقات، يتصور انه قد أدى ما عليه.

والحقيقة فإنه ومع الله تعالى لا بد أن يكون الإنسان - وبشكل دائم- يشعر بالتقصير اتجاه الله تعالى .. فلا يمكن لنا في لحظة من اللحظات أن نستغني عن نعم الله تعالى وعظيم مواهبه فينا.. كما سيكون المطلوب منا أبداً؛أن نعترف بحق الله، وان نعمل بحق الله، فنحن لو عملنا طول العمر لا نؤدي ،فكيف إذا أذنبنا وأسأنا ؟!

يجب على الإنسان أن لا يستصغر الذنب مهما كان، فلا ينظر إلى صغير ما أذنب ولكن لينظر إلى عظمة من عصى.. فإذا الإنسان استصغر ذنبه؛ فمعنى ذلك انه لا يفهم، ولا يعقل، فالمسألة ليست في صغر الذنب أو كبره.. بل المسألة في عِظم من نعصي بمثل هذا الذنب.. كما على الإنسان أن لا يستكثر عمله ُ مهما كان لأنه لاشيء أمام نعم الله فيه..

إخيراً نحن لا نقوى على عذاب الدنيا ، فكيف نقوى على عذاب الآخرة؟! فصور الآخرة صور مرعبة، فالإنسان عندما تأتيه الأخبار عن الآخرة، وعن العذاب، وعن الموت، هناك فالإنسان يعذب مدى الدهر وكلها حصائد الألسنة، وذنوب الإنسان ..

فعلى الإنسان أن يتفكر دائما، وان يمسي ويصبح تائباً، ويستغفر الله دائما، ويجعل ذكر الله في قلبه، وهذا الذي لنا طاقة به، ِونعمل عملاً يرضى به الله تعالى ..

الخطبة الثانية

تطرق ممثل المرجعية الدينية العليا في مدينة النجف الأشرف إلى تداعيات قضية الشركة الأمنية (بلاك ووتر) التي وقعت في ببغداد قبل حوالي سنتين، وما تمخض عنها من وقوع بعض الشهداء العزل إثر الاعتداء عليهم من قبل تلك الشركة. وتساءل سماحته عن المبرر لتلك التبرئة؟! وذكر سماحته أن القضاء عندما يكون قضاء نزيها ليس بحاجة إلى فترة زمنية طويلة يأخذها ليخرج بهذه النتيجة المؤسفة.

وقال سماحة السيد (احمد الصافي) في الخطبة الثانية من صلاة الجمعة (22 محرم الحرام 1431هـ الموافق 8/1/2010م ) التي أقيمت في الصحن الحسيني الشريف " أنا أتحدث عن دولة يفترض أن تتعامل مع حقوق الإنسان بشعارات هي ترفعها. مستغربا بأن تخرج النتائج بطريقة تسحق مشاعر الناس والعراقيين بتبرئة مجموعة من القتلة. وأعتقد أن هذه المسألة ليست قضائية وإنما إساءة للقضاء، ولو فرضنا أن المسألة بالعكس، بأن الأبرياء هم من قام بالاعتداء على هذه الشركة برأيكم ماذا ستكون النتائج ؟! لا شك إن النتائج ستكون على غير هذه الحالة " .

وتأسف سماحة السيد الصافي لمستوى القضاء الذي قلب الحقائق وجعل الحق باطلا وجعل الباطل حقاً. موجها خطابه للحكومة الموقرة عليها أن تتحمل مسؤوليتها بشكل كامل وتحاول أن تعالج هذا الملف القضائي لأنه من الواضح فيه ظلامة واضحة على الضحايا .

وأعرب عن رفضه لهذه الطريقة، وهي أن من يملك القوة يملك الحق!! فهذه الطريقة مرفوضة جملة وتفصيلا. فالذي يملك الحق قد يكون ضعيفا أو يكون قويا، فهو واضح ولا يخضع لاعتبارات أخرى ولاسيما لتلك الدول التي تدعي مراعاتها لحقوق الإنسان.

وعن الإساءة التي أطلقها البعض للنيل من المقدسات قال سماحته " يُنال مقام عظيم، وهو مقام المرجعية المباركة، بعد هذه السنين الطوال من الدفاع عن المقدسات والمصالح العامة، ومن قبل بعض الأقزام وبطريقة خالية من كل أدب ومقومات الأدب . وأنه ليس من الصحيح عندما يكون لي منبر أن أنال من الآخرين. فالمنبر كما حدد وظيفته الإمام السجاد ( عليه السلام) في ذلك المحفل المهم في الشام قال لطاغية عصره أتأذن لي أن اصعد هذه الأعواد ، فالإمام السجاد (عليه السلام) في ذلك الظرف الدموي أراد أن يصعد ليتحدث بكلام لله فيه رضا ولهؤلاء الجالسين أجر وثواب. فوظيفة المنبر إذن مقدسة وهي ليست في مقام السب والشتم وليست في مقام قلب الحقائق، لاسيما إذا عرفنا أن الإنسان يسأل عن كل كلمة يتفوه بها وإن الله تعالى يطلع على خطرات القلوب" ...

وتساءل سماحة السيد الصافي " عن المسؤولية الملقاة على المتكلم وأيهما أفضل الكلام أو السكوت. أما إطلاق الكلام على عواهنه فإنه طريق خاطئ فالذي يملك المنبر عليه أن يرتقي بالمنبر وان يفكر يوم القيامة انه يُسأل، ومن أصغى إلى مخلوق فقد أطاعه فإن كان ينطق عن الله فقد أطاع الله وان كان ينطق عن الشيطان فقد أطاع الشيطان.. فالإنسان يجب عليه أن يتثبت من مصادر حديثه وعليه أن يأخذ بعاقبة الأمور " ...