عودة | تكبير | تصغير

خطبتا صلاة الجمعة (15محرم 1431 الموافق 1/1/2010) بإمامة الشيخ الكربلائي

1242
تاريخ النشر 29 صفر 1431 | 13/02/2010

الخطبة الأولى

ما زلنا نعيش ذكرى مأساة يوم عاشوراء الأليم، ووقائع ملحمة الطف الخالدة وفواجعها، ونحن نحيا في كنف هذا الموسم العظيم من شهر محرم الحرام لهذا العام.. ذكرى البلاء الذي حَلّ بوادي كربلاء، والمصيبة التي حلّت بآل البيت (عليهم السلام)، ذكرى الدماء الزكية .. ذكرى حرمات الحق المباحة.. ذكرى الذرية النبوية المقتولة.. وذكرى ذلك الموقف الكريم الذي أتمّ به الإمام الحسين(عليه السلام) دعوة جده بتضحياته الجسام، والإراقة لدمه الزاكي، وأوقف تيار الظلم عند حدّه، وأصلح أمة جده بثورته المباركة.

إذن علينا أن نغتنم فرصة هذه الأيام بما تحمله من دفق معنوي هائل، ونستفيد - بكل ما أتينا من إمكانات- من عظمة المناسبة، تقرباُ لله بمحبة أوليائه الصالحين،وحججه على العالمين،فنمزج العَبْرة َ بالعِبْرَة.

خاصة ونحن – والحمد لله – قد حبانا الله تعالى بالهداية، من اجل التمسك بالولاء لأهل بيت نبيه الأطهار، الذين اذهب عنهم الرجس،واختصّهم بالكرامة، وانتجبهم للرسالة والإمامة.

نعم.. فإن من مظاهر الموالاة، أن نحزن لأحزانهم، ونفرح لأفراحهم.. لان ذلك من شعائر الإيمان والتقوى، ولكن من حق الوفاء في موالاتهم هو أن نهتدي بنهجهم، ونسير على هداهم ، ولنحذر كُلّ الحذر، أن نكون ممن يدعي موالاة أهل البيت ( عليهم السلام) في لسانه، ويبكي على الإمام الحسين( عليه السلام) علانية بذرف دموعه، ولكن يتّبع الشيطان، وينقاد لهوى نفسه، ويؤثر الدنيا في سره، وباقي أيام سنته.. ولنغتنم فرصة هذه الأيام التي تفتح فيها أبواب السماء، ويتجلّى الله تعالى برحمته.. لمن يقيم مراسم العزاء، ولنخرج عَبْرَةَ الأسى والحزن بعَبْرة الندم والوجل من معاصينا وذنوبنا، ونخلط شعور التوبة بشعور الألم..لهذا المصاب الجلل .

إن مصرع الإمام الحسين(عليه السلام) فوق ثرى كربلاء، قد جمع العظمة من نواحي عديدة، وجوانب شتى .. فلا تشغلنا العظمة من جانب، ونغفل عن جوانبها الأخرى.. وعلينا أن نطيل الفكرة، ونقتبس العِبْرة، كما نطيل إسالة الدموع والعَبْرة، ونضاعف الحسرة لمصابه (عليه السلام) فلنأخذ جميعاً من مناهجه هدانا، ونكمل برشده وقيمه إيماننا وتقوانا .

إن صدى كلمات استنصار الإمام الحسين (عليه السلام) وهو في ارض المعركة، وبين حشود الأعداء، بعدما لم يبق من أهل بيته وأصحابه أحدا، لا تزال تتردد في أسماعنا وهو ينادي: (هل من ناصر ينصرنا ..............)

ورب سؤال يتبادر إلى الأذهان ومفاده: كيف ننصره يا ترى؟

للجواب عن هذا السؤال أقول:إن الحسين(عليه السلام) خرج إلى كربلاء، وقتل بتلك الصورة البشعة مع من قتل من أهل بيته وأصحابه، إنما لإصلاح الأمة، ومن ثم لإقامة الحق، وهدم الباطل، وتثبيت قواعد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

فعلينا جميعاً كساسة للبلاد وقادته وحكومته ونوابه، خاصة منهم من يوالي الإمام الحسين(عليه السلام) ويشارك الأمة في عزائها بمصابه في عاشوراء، وكذلك موظفي الدولة وطلاب الجامعات والمدارس وعموم الناس خاصة من يدّعي الولاء والمحبة للحسين(عليه السلام) أن نسعى لإصلاح أنفسنا، وتطهيرها من عيوبها وزلاتها، ومذام أخلاقها، حتى نستطيع أن نصلح الأمة، وان نقدّم مصالح الأمة على مصالحنا، ونفكر ونسعى لنحقق للأمة حقوقها، وان نصون مصالحها، حينئذ نكون من أنصار الحسين (عليه السلام) ومن الملبين لنداء الاستنصار ذاك .

وأما إذا كان هدفنا المنصب والجاه والمكاسب الدنيوية؛ فغرتنا الدنيا بغرورها، وغرر بنا الشيطان، وكنا في عداد من لم يستجب لدعوة الحسين واستنصاره على ارض كربلاء ، بل عند ذاك نضع أنفسنا في صف أعداء الإمام الحسين(عليه السلام).

إذن،علينا أن نحذر من أن نكون في العلانية.. أثناء شهر محرم الحرام، ممن يبكون الإمام الحسين(عليه السلام) ولكن في باقي الأيام، وفي مواقعنا وسلوكنا ومنهجنا، نكون مصاديق كلامه: " الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم فإذا محصّوا بالبلاء قلّ الديّانون".

أخيراً..علينا أن نكون مع الحق، وان تضررت مصالحنا الدنيوية أو خسرنا امتيازات مادية ، وان نهجر الباطل ما تمكّنا إلى ذلك.. حتى وان كان من ورائه مغانم زائلة، وان نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وان استلزم ذلك خسارة لنا وتضحية منّا.. وحينئذ سنكون من أنصار الحق، وأنصار الحسين (عليه السلام) فنفوز فوزاً عظيما.

الخطبة الثانية

استنكر ممثل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف استهداف المجاميع التكفيرية والإجرامية مواكب العزاء الحسيني، في بعض مدن العراق. وكذلك الزوار العائدين من مدينة كربلاء المقدسة بعد أدائهم لمراسيم العزاء الحسيني. حيث سقط العشرات من الشهداء والجرحى. وكذلك استهداف أبناء مدينة الرمادي.

وبين سماحة الشيخ (عبد المهدي الكربلائي) في خطبة صلاة الجمعة (15محرم الحرام 1431 هـ الموافق1/1/2010 م) التي أقيمت في الصحن الحسيني الشريف " أن هذه المجاميع الإرهابية لاتفرّق في أعمالها الإجرامية واستهدافها لطائفة معينة دون أخرى من طوائف الشعب العراقي ولا شريحة اجتماعية دون أخرى. بل هي تستهدف الجميع دون استثناء، شيعة وسنة ومسلمين ومسيحيين وعرباً وأكراداً حكومة ومواطنين ". موضحا " أن هذا الاستهداف للجميع يحفِّزُنا ويدفعنا – نحن أبناء هذا الشعب العراقي حكومة وشعبا وجميع الكتل السياسية من دون استثناء وجميع الطوائف والأعراق – لاتخاذ موقف وطني موحد، وان تتضافر جهودنا جميعاً للوقوف بوجه هذه الأعمال الإرهابية ومنعها من أن تنال من وحدة العراق وقوته وصموده وإيذاء شعبه " ..

وعلل سماحته ذلك بأن " خطر تلك الجرائم عام وشامل للجميع دون استثناء. ولو أننا لم نتوحد لصدِّ هذه الأعمال الإجرامية ويتخذ بعضنا هذه الظروف وسيلة للمزايدات السياسية ولم ندرك جميعاً حجم هذه المخاطر على العراق وشعبه؛ فان الجميع سوف يخسر. وان السقف الذي يظلـلنا جميعاً – وهو سقف بلدنا العراق – والذي نريد أن نتفيأ بظلاله سيسقط في النهاية علينا جميعاً. وسنخسر حقوقنا ومصالحنا، وسوف لا نتمكن أن نبني العراق ونعمل لخيره وازدهاره ، لان نجاح هؤلاء الأشرار وإخفاقنا، يعني نجاح الشر والباطل وشيوع الدمار والخراب "..

وبعد نجاح الزيارة المليونية لعاشوراء الحسين (عليه السلام) في هذه السنة، شكر الشيخ الكربلائي جميع المشاركين في مراسم العزاء، وكذلك الأجهزة الأمنية والخدمية لجهودهم الكبيرة في إنجاح هذه الزيارة. وكذلك وجه سماحته الشكر والتقدير للطائفة المسيحية في العراق، التي ألغت احتفالاتها بمناسبة ولادة السيد المسيح (على نبينا و آله وعليه أفضل التحية والسلام) تضامناً واحتراماً لمشاعر المحبين لأهل البيت (عليهم السلام) الذين يقيمون العزاء بمناسبة استشهاد سبط رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ... " وهذا يعبِّر عن روح المواطنة التي يحملها أبناء هذه الطائفة، لان من أهم أسس المواطنة، هو مشاركة مواطني البلد الواحد – مع قطع النظر عن انتماءاتهم الطائفية والعرقية – بعضهم مع البعض الآخر في أحزانهم وهمومهم وأفراحهم واحترام الخصوصيات المذهبية والدينية لكل طائفة ودين " ..

واستشهد ممثل المرجعية الدينية العليا بما قد صرح به البعض من رؤساء هذه الطائفة " إن لموقف المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد السيستاني – دام ظله الوارف – من خلال مظلته الأبوية ورعايته لجميع المواطنين العراقيين من دون استثناء، تأثيره البالغ في هذه المبادرة الطيبة " ..

وفي جانب آخر من خطبته تعرض سماحته عن بعض الأصوات التي تهدف إلى تمزيق الأمة الواحدة، وتفتيت أوصالها بقوله " طلع علينا رجل الدين السعودي (محمد العريفي) بكلام خلال خطبة الجمعة في العاصمة الرياض تضمن الإساءة لمقام المرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف. وهو كلام نابٍ ولا يليق بخطيب جمعة في عاصمة دولة إسلامية كبيرة "... مبينا ما يلي:

1- إن المرجعية الدينية العليا لا ترد على مثل هذا الكلام.لان مقامها أسمى وارفع من أن تردّ على ذلك. وان ينالها كلام هذا الرجل وأمثاله بسوء. وهي في هذا الموقع الرسالي والإلهي لا تقابل الإساءة إلا بالإحسان ..

2- إن المسؤولين في ذلك البلد الذي خرج منه ذلك الصوت المفرِّق للأمة الإسلامية والذي جرح فيه مشاعر وأحاسيس مئات الملايين من المسلمين، يتحملّون المسؤولية عن صدور هذا الكلام والنتائج المترتبة عليه .. وذلك لان هذا الرجل ليس مواطناً عادياً. بل له موقع رسمي وموقع ديني متميّز في تلك الدولة. فهو خطيب جمعة في العاصمة لتلك الدولة.. ونُشِر كلامه من خلال مواقع إعلامية بعلم ورضى تلك الدولة. ومن الواضح انه لا قيمة لكلامه من دون هذا الموقع الرسمي والديني .. وبالتالي فان المسؤولين في تلك الدولة، إمّا أن يكونوا راضين عن هذا الكلام الذي يسيء لمئات الملايين من المسلمين فهم يتحملّون المسؤولية برضاهم هذا ... وتساءل قائلا: كيف نستطيع أن نبني ونوثـّق العلاقات الإسلامية والأخوية فيما بيننا ونمد جسور المودة والمحبة ونزرع التآلف والتآزر فيما بيننا؟! كما ان رعاية تلك الدولة للمؤتمرات الإسلامية التي يراد منها توحيد الأمة إنما يقتضي إيقاف هؤلاء الخطباء عند حدِّهم لئلا يسيئوا للأمة الإسلامية ..

وأضاف سماحته:وإما أنهم غير راضين عن مثل هذا الكلام فلماذا السكوت عليه؟! ولماذا لا يتخذون الإجراءات التي تضع حداً لمثل هذا الكلام الذي يسئ للأمة الإسلامية، لأنه يزرع الأحقاد والتفرقة فيما بينهم، بل يسئ أيضا لحكومة تلك الدولة. لان الكلام المذكور انطلق من عاصمتهم ومن صلاة جمعة... ويفترض من هؤلاء المسؤولين وهم يرعون في كل فترة مؤتمراً إسلاميا أن يضعوا حلاً لمثل هذا الكلام الذي يجرح مشاعر مئات الملايين من المسلمين..

وفي معرض خطبته ذكـّر الشيخ الكربلائي بأن " يوم السبت 23 / محرم الحرام / 1431هـ يوافق ذكرى هدم قبة الإمامين العسكريين (عليهما السلام) وتوجه بدعوة المؤمنين لزيارة المرقد الشريف لتجديد العهد والولاء والمحبة والنصرة للإمامين العسكريين (عليهما السلام) بهذه المناسبة " .. كما دعا إلى أن تكون الشعارات والهتافات والردّات العزائية معبّرة عن روح الولاء والمحبة للائمة وبيان مظلوميتهم وفي نفس الوقت تدعو للوحدة والتآلف والمحبة بين أبناء الشعب العراقي. داعيا كذلك إلى الابتعاد عن أي كلام أو شعار أو هتاف يستفز مشاعر الآخرين ويجرح عواطفهم .. مطالبا الجميع بالتوحّد والتآلف والتآزر لحماية وطننا وشعبنا ولكي ننتصر على أعداء بلدنا وشعبنا ..

وفي الختام توجه ممثل المرجعية الدينية العليا إلى أعضاء مجلس النواب الإسراع في إقرار الموازنة العامة لعام 2010م لان ذلك سيساهم في الإسراع بانجاز مشاريع الإعمار والمشاريع الخدمية في مختلف جوانبها الطبية والتربوية والتعليمية والبلدية وغيرها .. وبعكس ذلك سنحرم البلد والمواطن من هذه الفرصة وسنساهم في تأخير الانجاز لهذه الأعمال والخدمات التي يحتاجها المواطن، وأعرب عن أمله من أن تغلِّب الكتل السياسية مصالح هذا البلد على مصالحها الضيقة الفئوية خصوصا وان مجلس النواب في آخر الفصل التشريعي الأخير لدورته الحالية .. ولا بد أن نزرع الأمل والثقة لدى المواطن من خلال الإسراع بإقرار الموازنة ليكون ذلك دافعاً لتجارب المواطن مع الوضع السياسي الجديد في العراق ..