عودة | تكبير | تصغير

خطبتا صلاة الجمعة(23 ذي الحجة 1430هـ الموافق 11/12/2009م بإمامة السيد احمد الصافي

1218
تاريخ النشر 4 صفر 1431 | 19/01/2010

الخطبة الأولى

سنتناول فيما يلي مقولة للإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) وهو يوجه أصحابه من خلالها،ويبن لهم بعض الطرائف السلوكية للإنسان المؤمن،وأنه إذا تعلق قلبه بالدنيا؛فانه لابد أن يمر بالمشاكل،وينبه الإمام (عليه السلام) عليها من اجل تجتنبها قدر المستطاع،ومن جملة ما جاء في هذه النصيحة المهمة قوله:

[ من تعلق قلبه بالدنيا .. تعلق منها بثلاث خصال : همٌ لا يفنى وأمل لا يدرك ورجاء لا ينال ..]

بدءاً فان هناك الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة،تحذر من الخضوع للشيطان،وحب الدنيا،وإن الإمام الصادق وبقية الأئمة(عليه وعليهم السلام) قد تركوا لنا تراثاً كبيراً،وإرثاً واضحاً من الأحاديث والنصائح والأدعية،ترسم لنا الكيفية التي يجب التعامل بها مع الدنيا وأمورها،كون الإنسان يشعر بالهم أحياناً،ولكن إن كان هذا الهم للآخرة فهنيئاً له،وقد يستشعر في بعض الحالات،إن الدنيا سوداء في وجهه بسبب عدم تحقق مطالبه،ويعتقد بان هذه الأشياء كانت مهمة بالنسبة إليه،فإذا فاتته يتعكر مزاجه.

إن الإمام الصادق(عليه السلام) يريد أن يبين لنا بان هذه الأمور كلها، يجب أن يؤخذ منها بمقدار الضرورة، وعلينا التهيؤ للرحلة القادمة، لا أن تكون هي بذاتها المطمع، لذا بيّن في هذه الفقرات القليلة من هذه النصيحة عدة أشياء..حيث إن حب الدنيا هو رأس كل خطيئة،والإمام (عليه السلام) يقول: انتم يا معاشر الناس ستبتلون بثلاث خصال،وهذه يمكن من الآن أن نراجع أنفسنا ونرى إننا فعلاً إذا ما تعلقت قلوبنا بالدنيا سنبتلى بها،لكن السؤال هنا: ما هي هذه الحالات أو الخصال ؟

إن الخصلة أو الحالة الأولى هي( همٌ لا يفنى) وإن الهم:هو أن يكون الإنسان مهموم وحزين، وتعلوه حالة من الكآبة،وإذا أراد الإنسان أن يكسب الدنيا؛لا شك انه لا يستطيع فهذه حالة مستحيلة، فالأشياء التي تفوته من الدنيا أكثر من الأشياء التي يحصل عليها،وإذن فانه دائماً في حالة طلب، وركض وراء المال والسلطة والجاه والمكاسب الدنيوية الأخرى،وهموم الدنيا لا تنقطع، فالإنسان دائماً تعلوه الكآبة وحالة الهم،لأنه يطمع للمزيد دائماً،ولا يمكن أن يحصل عليها، فهو في طلب حثيث وهم ناشئ من عدم قدرته على تحصيل هذه الأمور، وبالنتيجة لا تدوم مكاسب الدنيا ،والإنسان تـتحدد محبته للدنيا بمقدار تعلقه بها .

أما الخصلة أو الحالة الثانية (وأمل لا يدرك) وهو الأمل في الدنيا،فعندما تسأل زيد من الناس،ما هو أملك؟ سوف يقول، حتى احصل على سعة من العيش،فترى الإنسان في ركض مستمر نحو هذا الأمل الذي لا يمكن أن يدركه.

وأما الخصلة أو الحالة الثالثة( ورجاء لا ينال) إذ إن الإنسان يرجو من الدنيا أشياء كثيرة..طبعاً حالة التوازن في الدنيا مطلوبة .. حيث إن الإنسان يحتاج ضرورات العيش،وبلغة العيش، حتى يستعين بها على المقام أو الرحلة الأبدية التي سنمر بها كلنا قطعاً بلا استثناء.

فهناك دنيا تجلب الآخرة، وان الإنسان يحضر موارد الخير، ويستعين بما عنده من اجل بلوغ الآخرة، فهذه الدنيا محبوبة للجميع، والدنيا كذلك مزرعة الآخرة،وكلامنا ليس عن هذه الدنيا .. إنما كلامنا عن حالة فقدان التوازن، فالإنسان عندما يحاول أن يغير من وضعه في الدنيا، بأن يجعل الدنيا غاية،ويجب أن يحصل فيها على جميع المطالب والآمال وجميع المسرات،وإذا ما تحول الإنسان في الدنيا إلى هذه الحالة ؛قطعاً لا يحصل منها على شيء، وستلفضه الدنيا كما لفضت غيره .

لذا يجب على الإنسان أن يتنبه، فهذه الدنيا خلفت وراءها ما خلفت من الأقوام السابقة ،فيجب على الإنسان أن يتنبه،وإذا شعر داخل نفسه، إن هناك قناعة بما هو عنده؛ سيشعر واقعاً بالطمأنينة في الدنيا على عكس الهم .

وان الإنسان إذا تمتع في الدنيا من الموارد التي وهبها الله تعالى له، وراقب الله في كل شيء؛ سيشعر إن هذا هو المنال والرجاء الذي أراده .. بعكس الإنسان الذي لا تجد في قلبه إلا محبة الدنيا.

أخيراً فان المشاكل في هذه الدنيا كثيرة، ولكن على الإنسان أن يخلو بنفسه، وان يراجعها باستمرار،وان يقتلع جميع الرذائل منها،حينئذ سيجد بأن هذه المشاكل والرذائل،إنما ناتجة عن حب الدنيا، وناتجة عن حب النفس، وحتى يشعر الإنسان بالاستقرار؛ يجب أن يبحث عن مواطن الخلل في حياته، وان يخرج من قلبه حب الدنيا والتعلق بها،وهذا يحتاج إلى قوة نفسية وإرادة وشجاعة وتمرد على الشيطان، ولكي يبدأ الإنسان مشواره الطويل مع الله سبحانه وتعالى ،عليه أن يفهم الدنيا فهماً آخر لكي يصل إلى حقيقتها.

الخطبة الثانية

قدم ممثل المرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف تعازيه لجميع الشعب العراقي النبيل بمناسبة استشهاد كوكبة من أبنائه. سائلا المولى عز وجل أن يتغمدهم برحمته الواسعة وان يلهم ذويهم الصبر والسلوان، وان يمّن على الجرحى بالشفاء العاجل.

وأضاف سماحة السيد (احمد الصافي) في خطبة صلاة الجمعة (23 ذي الحجة 1430هـ الموافق 11/12/2009م ) التي أقيمت في الصحن الحسيني الشريف " إن العراقيين بدأوا يتساءلون، لماذا نعيش هذه المآسي وما هي الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه الحالة؟! هل هذه التفجيرات كانت متوقعة أو لا ؟؟ هل هذه التفجيرات ستتكرر أو لا ؟؟ هل يوجد حل في الأفق لإعادة الأمن والأمان للبلد أو لا ؟؟ هذه الأسئلة بحاجة إلى أجوبة مقنعة لكل أولئك المسؤولين عن الملف الأمني ".

وفي معرض تعقيبه على ما جرى قال سماحة السيد الصافي " في بلد كالعراق يعيش أبناءه تحت ظلال التعددية السياسية، لا بد من وجود خطوط حمراء عند كل السياسيين مهما اختلفوا لا يمكن تجاوزها وهذه الخطوط الحمراء في كل العالم لها أولويات.. مهما اختلفنا وتكلم احدنا على الآخر ومهما شنعت الصحف وكتبت المجلات والأقلام لكن لابد من وجود هذه الخطوط ألا وهي مسألة دماء العراقيين ".

وتابع سماحته "قبل شهرين حدثت انفجارات مرعبة. وبعدها أيضا حدثت انفجارات مرعبة. والمعلومات الأمنية بمقدار ما تصل إلى الجهات التنفيذية. لكن ردود الفعل لا تتناسب مع حجم الجريمة، واصفا العدو بأنه طرف جبان لا أخلاق عنده ولا دين ولا عقل ولا منطق له .. حثالة من حثالات الأرض يواجه مجتمع من الأبرياء العزل من شباب وأطفال ونساء وشيوخ" ..

واستغرب سماحته قائلا " قبل أسبوعين أو أكثر حدثت زوبعة في البرلمان محذرة من عودة البعثيين مرة ثانية إلى السلطة .. وإذا كان السياسي يحذر والبرلماني يحذر وانتم بيدكم الأمر هذه الطريقة تخيفون الشعب بطريقة كأنكم لا تعلمون مكمن الخطر وبعض التصريحات صورت لنا القضية كأنما مجلس النواب يزخر بالرفاق البعثيين!! وهذه السياسة لا ينبغي أن تصدر عن المسؤول الصادق فإن عليه أن يجتهد ويبذل قصارى جهده من اجل أن يمنع الناس القتلة أن يتسللوا بطريقة قد لا يعلم بها الشعب ".

وتساءل سماحته " ما ذنب أبناءنا يقتلون جزافاً ثم بعد ذلك ترمى التهم على فلان وفلان هذا لا يحل المشكلة .. ونحن حذرنا ونحذر إلى أن هناك جهات كبرى تقف وراء هذه الأحداث وهذه الجهات الكبرى فإن المسؤول يعلم بها عِلم اليقين .. وطالب المسؤولين بتقوية بناء الأجهزة الإستخباراتية لمنع حصول الكوارث واتخاذ مواقف تؤرخ لهم وهم في الأيام الأخيرة من هذه الدورة ويطرحوا للشعب ما الذي يجري حقيقة وأين سينتهي بنا المطاف " ..

وأعرب سماحة السيد أحمد الصافي عن أسفه من عمل منظمة حقوق الإنسان في العراق متسائلا "عن ماهية عملها في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها الشعب العراقي... لا اعرف ماذا تفعل هذه المنظمة؟ أين هذه المؤسسات الإنسانية من الذي يجري في العراق؟! أين هذه المنظمات التي تتشدق بالإنسانية وترى هذه الطريقة من القتل الجماعي أشبه بعملية إبادة تدريجية !! هذه الخروقات تؤشر علامة حمراء على إن المستقبل قد يبدو مستقبلا غير واضح المعالم. فنحن كلما تقدمنا خطوة حدثت هذه العمليات الإرهابية .. وبالرغم من كل ذلك فإن الإنسان العراقي وبحمد الله الآن يتحمل المصابرة والمجاهدة والمسؤولية ليست بيد الناس بل بيد المسؤول .. فالقوات الأمنية عندما يلقون القبض على الإرهابي صباحاً ، يتوسط بعض المسؤولين فيخرجونه ليلاً " ..

ونظرا للمعلومات المتسربة ذكر سماحته أن الإرهابيين الآن أخذوا ينظمون خططهم الإجرامية وهم في السجن .. مطالبا ببناء الأجهزة الأمنية وإعادة هيكلتها من جديد وفي هذا الصدد قال " أنا لا احتاج إلى دبابة في الشارع أنا ليس عندي قتال مع عدو واضح مكشوف، ولكنني احتاج إلى رجل امن يحفظ دماءنا من أن تجرى وتسفك .. والطريقة التي يدار بها الملف الأمني طريقة غير صحيحة والدليل هذه الاختراقات " ..

وبين سماحة السيد الصافي " نحن لا نريد أن نضعف الإخوة المسؤولين عن الملف الأمني بل نشد على أياديهم ونقول ابذلوا المزيد، فكثير من الناس مستعدون أن يتعاونوا مع الأجهزة الأمنية بمقدار ما يحفظ حقوق البلد لكن وفي المقابل يجب على المسؤول أن يحفظ أمن الناس أيضا "..

وطالب ممثل المرجعية الدينية العليا بحلول سريعة وذلك " بإفساح المجال أمام الخبراء الأصلاء للعمل الجاد للقضاء على الزمر الإرهابية، مناشدا إياهم لا تحذروا من هذه الحفنة من البعثيين اطردوهم فالقانون والدستور معكم " ..

وفي الختام ناشد سماحة السيد أحمد الصافي المسؤولين " باعادة النظر في الماكنة الإعلامية وذكر الحقائق الكامنة وراء الإرهابيين من التمويل والدعم الداخلي والخارجي والخلايا التابعة لهم علاوة على ذكرهم أعداد الشهداء والجرحى والخراب الذي تخلفه تلك العمليات الإجرامية... فالإرهابيون لا منطق ولا عقيدة ولا دين عندهم فتعاملوا معهم بمنطق يحفظ هيبة البلد .. ألا ترون أن بعض البهائم لا تعتدي على أبناء جلدتها .. فالعدو لا أخلاق له فإنه أخس حتى من تلك البهائم ".