

الخطبة الأولى
يمر علينا في يوم الأحد القادم الموافق 18 من شهر ذي الحجة الحرام 1430هـ أعظم الأعياد الإسلامية وهو عيد الغدير الأغر، ذكرى إكمال الدين وإتمام النعمة وبسط الرحمة..إنه يوم الميثاق الأكبر الذي طوّق الأعناق، واحتفلت به الملائكة في السبع الطباق، ويوم أنزل الله تعالى فيه على نبيّه و رضيّه :
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [المائدة : 67].
فبعد نيّف وعشرين عاماً قضاها النبي(صلى الله عليه واله وسلم) في تبليغ دعوته، وبعد عشر سنين أمضاها في الجهاد الشاق والعسير من اجل إعلاء كلمة الله تعالى،ونشر توحيده،وبعد أن بلّغ عامة آيات الكتاب،وبيّن جلّ أحكام الدين،جاء الأمر إليه من ربه بتأكيد التبليغ إلى الناس، بأمر هام خشي الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) من تبليغه،فجاءه الوحي الإلهي بضمان العصمة من الناس،فهو من الأهمية بمكان لأن الوحي أناط بقاء الدين به. فكان للمولى سبحانه وتعالى ولرسوله العناية التامة،بإشهار هذا الحديث،لكي تتداوله الألسن الكثيرة جداً،حتى يكون حجة قائمة ومستمرة على مدى القرون والدهور،لحامية دينه الإمام المفروض الطاعة أمير المؤمنين(عليه السلام)ولذلك استنفر النبي (صلى الله عليه واله وسلم) الناس كافة للحج معه ثم حين عودته من مكة جمعهم وهم بهذه الحشود الغفيرة،والوقت قائض جداً،حتى كان الواحد منهم يلف قدميه ببعض بردائه من شدة القيض،وبعضهم الآخر يلف به رأسه،وردّ المتقدم منهم،وحبس المتأخر عنهم فقام (صلى الله عليه واله وسلم) فيهم خطيباً،وقد اسمعهم باجمعهم وكانوا يزيدون عن المائة ألف، وقال ابن الجوزي في المناقب:
" كان معه (صلى الله عليه واله وسلم) من الصحابة ومن الأعراب،وممّن يسكن حول مكة والمدينة مئة وعشرون ألفا،وهم الذين شهدوا معه حجة الوداع وسمعوا منه هذه المقالة "،وأمر(صلى الله عليه واله وسلم) أن يبلّغ الشاهد الغائب ليكونوا كلهم رواة هذا الحديث.. بل وانزل سبحانه وتعالى الآيات الكريمة بشأن الواقعة تتلى ليلاً ونهاراً،ليكون المسلمون على ذكر من هذه القضية في كل أوان وزمان،وليعرفوا رُشدهم ومرجعهم الذي يجب عليهم أن يأخذوا منه معالم دينهم.ولم يفتأ أمير المؤمنين (عليه السلام) يحتج بها طيلة حياته الكريمة،وكذلك فعل مثله الأئمة الطاهرون ( عليهم السلام) من بعده،وأمروا شيعتهم بالتعيّد في يوم الغدير والاجتماع وتبادل التهاني والبشائر،وإقامة الشعائر العبادية من الصلاة والصوم والدعاء والبر بالإخوان وصلتهم،وزيارة أمير المؤمنين(عليه السلام)بزيارة مخصوصة فيها ذكر للواقعة وبيان فضائل ومناقب أمير المؤمنين(عليه السلام) والأئمة الأطهار،ولا يختلف كبار علماء السنة عن إثبات صحة هذا الحديث،والركون إليه،والإذعان بتواتره،وقد ذكر شيخنا الأميني( رحمه الله تعالى) في موسوعة الغدير (110) من أعاظم الصحابة من رووا حديث الغدير ..ومما هيّأه الشارع المقدس والأئمة الأطهار(عليهم السلام) لحديث الغدير،ليكون خالداً،ويُنشر بين عموم الناس،ولمضمونية التحقق والثبوت اتخاذه عيداً،يحتفل به،وبليلته ويومه إحياءها بالعبادة والخشوع وإدرار وجوه البر، وصلة الضعفاء،والتوسّع على النفس والعائلة،واتخاذ الزينة. وروى عن الإمام الصادق(عليه السلام) عن أبيه عن آبائه قال:
قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) " يوم غدير خُم أفضل أعياد أمتي وهو اليوم الذي أمرني الله تعالى ذكره بنصب أخي علي بن أبي طالب عَلَماً لأمتي يهتدون به من بعدي، وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين و أتمّ على أمتي فيه النعمة ورضي لهم الإسلام دينا"
واقتفى أثر النبي (صلى الله عليه واله وسلم) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)فاتخذّه عيداً، وخطب فيه سنة اتفق فيها الجمعة والغدير ومن خطبته قوله( عليه السلام) :
" إن الله عز وجل جمع لكم – معشر المؤمنين – في هذا اليوم عيدين عظيمين كبيرين ..عودوا رحمكم الله بعد انقضاء مجمعكم بالتوسعة على عيالكم وبالبرّ بإخوانكم والشكر لله عزّ وجل على ما منحكم واجمعوا يجمع الله شملكم، وتبارّوا يصل ألفتكم وتهادّوا نعمة الله كما منّاكم بالثواب فيه على أضعاف الأعياد قبله أو بعده إلا في مثله، والبرّ فيه يثمر المال ويزيد في العمر والتعاطف فيه يقتضي رحمة الله وعطفه وهيئوا لإخوانكم وعيالكم عن فضله بالجهد من وجودكم، وبما تناله القدرة من استطاعتكم و أظهِروا البشر فيما بينكم والسرور في ملاقاتكم"
وكذلك فعل الأئمة الأطهار(عليهم السلام) من بعده فسمّوه عيداً وأمروا بذلك عامة المسلمين ففي تفسير فرات بن إبراهيم الكونبي في سورة المائدة بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال:
قلت:جعلت فداك للمسلمين عيد أفضل من الفطر والأضحى ويوم الجمعة و يوم عرفة؟
قال: فقال لي : نعم .. أفضلها وأعظمها وأشرفها عند الله منزلة هو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأنزل على نبيّه محمد(صلى الله عليه واله وسلم):
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً)
بل ورد في بعض الأحاديث عن بعض الأئمة (عليهم السلام) إن الأنبياء كانت تأمر الأوصياء باليوم الذي يقام فيه الوصي أن يُتخذّ عيدا..ومما يدلّ على ذلك إن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) أمر من حضر ذلك المشهد ومنهم الشيخان ومشيخة قريش ووجوه الأنصار كما أمر أمهات المؤمنين بالدخول على علي (عليه السلام) وتهنئته على تلك الخطوة الكبيرة بإشغاله منصة الولاية.وقد روى الكثير من أئمة الحديث والتفسير والتاريخ من رجال السُنّة حديث تهنئة الشيخين وذكر العلاّمة الاميني في كتابة الغدير (60) ممن رووه.
الخطبة الثانية
اشار ممثل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف "إن مما يؤسف له أن تصل الأمور إلى هذا الحد من تأخر إقرار قانون الانتخابات بسبب عدم توصل الكتل السياسية إلى حل منطقي ومعقول وصيغة لهذا القانون تحفظ من خلاله حقوق الجميع وينال رضاهم. داعين الكتل السياسية الابتعاد عن تغليب المصالح الضيقة على حساب مصالح الشعب العليا، وذلك من خلال تقديم مصلحة الشعب على المصالح الطائفية والقومية والفئوية الضيقة، لان ذلك سيلحق الضرر بالجميع من دون استثناء".
وتابع سماحة الشيخ (عبد المهدي الكربلائي) في خطبة صلاة الجمعة (16 ذي الحجة 1430هـ الموافق 4/12/2009 ) في الصحن الحسيني الشريف "أن التأخير سيؤدي إلى اهتزاز ثقة المواطن بالعملية السياسية برمتها، وذلك لأنه يرى أن الكتل السياسية الحاكمة ما تزال تتصارع ولا تتمكن من الوصول إلى صيغة مقبولة ويحفظ من خلالها حقوق الجميع .. وستهتز ثقته أكثر بمن يغلّب المصلحة الفئوية الضيقة ولا يبالي بما تؤول إليه أمور البلاد".
كما حذر سماحته من العودة إلى قانون عام 2005 لما فيه الكثير من السلبيات والثغرات والتي تم القبول بها في وقتها للظروف الحساسة والحرجة جداً التي كان يمر بها البلد في ذلك الوقت.. ولم يعد هذا القانون صالحاً في الوقت الحاضر وبحسب التطور السياسي والأمني الذي شهده العراق.
وفي جانب آخر من خطبته قال سماحة الشيخ الكربلائي " أن الكتل السياسية تسعى في الوقت الحاضر إلى ترشيح أشخاص لقوائمها لتدخل بهم في الانتخابات القادمة كما تسعى بعض الشخصيات لترشيح نفسها لخوض هذه الانتخابات ولدينا توصيات بهذا الشأن:
1- إن الترشيح في حدِّ نفسه يمثل مسؤولية كبيرة .. إذ يمكن أن يصل المرشح من خلال انتخابه أو من خلال قائمته إلى مقاعد مجلس النواب وحينئذ فان المسؤولية التي سيتحملها جسيمة وخطيرة ولا يتصور هؤلاء الإخوة أن ترشيحهم ووصولهم فيما بعد إلى مقاعد مجلس النواب هو مجرد وصول إلى منصب دنيوي لا يتبعه مسؤولية كبيرة أمام الله تعالى وأمام الشعب وأمام التاريخ ..فان معنى وصول المرشح إلى مجلس النواب أن المواطنين قد حملّوه مسؤولية وطنية كبيرة وقلّدوه أمانة في عنقه ولم يحصل هذا إلا بعد تضحيات جسام قدّموها حيث ضحوا بأرواحهم وعوائلهم وراحتهم من اجل الحفاظ على الوضع السياسي والاجتماعي العام للعراق في الوقت الحاضر ..
2- إن الشعب العراقي يمر بمعاناة صعبة وقاسية وابتلاءات شديدة ويتحمّل الكثير من المشاكل والمصائب بسبب هذا التغيّر الذي حصل في العراق وبالتالي فان المسؤولية ستكون مضاعفة عليهم .. وليس الأمر الآن بالنسبة لهؤلاء المرشحين قياساً بوضع العراق كما هو الحال في البلدان المستقرة والآمنة والمتطورة فإذا لم يقدّم النائب شيئاً ملموساً ربما لا يضر ذلك الضرر الكبير لبلده وشعبه .. بخلاف الوضع في العراق فان فشل المرشح إذا وصل إلى مجلس النواب ولم يقدّم شيئاً أو صار سبباً لعرقلة المشاريع وتشريع القوانين المهمة التي تصب في مصلحة البلد فانه سيلحق ضرراً كبيراً وفادحاً لبلده وشعبه.
3- على كل شخص يرّشح نفسه أو ترشحه القائمة والكتلة السياسية أن يراجع نفسه ويفحص عن مدى توفر المؤهلات والقابليات لديه لخدمة الشعب .. وذلك من خلال توفر الكفاءة والقدرة على الخدمة وحب الخدمة والإخلاص في العمل وعدم الاغترار بالمنصب وعدم البحث عن الامتيازات بسبب وصوله إلى هذا الموقع .. وإذا لم يجد في نفسه القدرة لذلك فلا يُقحِم نفسه في مسؤولية سيُسائِلُها الله تعالى عنها وسيحاسبها الشعب إذا ما قصّر في ذلك ..
وفي الختام بين سماحة الشيخ أنه لا بد من الأخذ بنظر الاعتبار حالة التذمر والسخط التي حصلت لدى الكثير من المواطنين بسبب فشل البعض من النواب أو بسبب تقصيره وعدم تحملّه للمسؤولية بل وان البعض صار عائقاً أمام تشريع بعض القوانين المهمة أو القرارات التي تصب في مصلحة البلد.