عودة | تكبير | تصغير

خطبتا صلاة الجمعة(10 ذي القعدة 1430 الموافق 30/10/2009)بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي

1212
تاريخ النشر 4 صفر 1431 | 19/01/2010

الخطبة الأولى

سنتناول حكمة جديدة من حكم الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام) والتي وردت في نهج البلاغة حينما سُئل (عليه السلام) عن الخير ما هو؟ فقال ( عليه السلام) :

[ ليس الخير إن يكثر مالُك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك وان يعظم حلمك وان تباهي الناس بعبادة ربك فإن أحسنت حمدت الله وإن أسأت استغفرت الله ولا خير في الدنيا الا لرجلين رجلاً أذنب ذنوباً فهو يتداركها بالتوبة ورجل يسارع في الخيرات ].

هناك الكثير من المفاهيم لحقائق الأشياء عند العامة من الناس بيد إنها ليست صحيحة.. بل وبعيدة عن الواقع ، وهناك مفاهيم أخرى شائعة عندهم لمفهوم الخير وحصره في كثرة المال والولد ، وبما إن مفهومهم عن الخير هكذا، لذا فسوف ينصب سعيهم وجهدهم الدائم بهذا الاتجاه كي يحصلوا ويكثروا المال وبأي وسيلة كانت سواء كانت وسيلة محللة أم محرمة أو بالخير أو بالشر.

إن الإمام (عليه السلام) بحكمه يريد إن يصحح هذا المفهوم الخاطئ، ويبين لنا إن المفهوم الصحيح للخير الذي يجب أن يسعى إليه الإنسان المؤمن، ويجهد نفسه في تحصيله إنما هو بالعلم والعمل الصالح ..فهناك أمور معنوية وهناك أمور مادية ولابد من ملاحظة أي منهما هي التي توصل إلى سعادتنا؟ ومما يؤسف له إن الكثير من الناس إنما يلحظ النعمة فيما يحصل عليه من المتاع في الحياة الدنيا، بينما هنالك إنسان آخر لا ينظر إلى الخير والنعمة من هذا الإطار الضيق إنما ينظر إليهما في إطار الهداية والعلم والعمل الصالح..ولو ساءلنا أنفسنا:لماذا الخير الحقيقي في الأمور المعنوية وليس في الأمور المادية ؟

وللجواب على مثل هذا الاستفهام نقول ، إن مسألة المال وهذه المتاع الدنيوية هي من الأمور الزائلة التي سوف تفارق الإنسان، وأما الأمور المعنوية كنعمة الهداية والعمل الصالح والإيمان وغير ذلك، فإنها أمور باقية لا تفارق الإنسان.. وهذه الأمور هي التي ستبقى آثارها، وسيكون لها ثمار سعيدة في الدنيا فضلاً عن الآخرة .

نعم إن الأمور المادية متى ما أدت إلى الأمور المعنوية؛ فإنها تكون خيراً كالمال ينفق في طاعة الله تعالى وفي مشاريع الخير وإعانة الناس ، وكالولد يكون عوناً للأب في طاعة الله تعالى، لذلك فإن أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول، أيها المؤمن والمؤمنة ابحثوا عن موضع السعادة الحقيقية الكامن في الأمور المعنوية ولا يكون سعيكم وجهدكم متركز ومنحصر على هذه الأمور الدنيوية المادية الزائلة كالمال والولد..فكل إنسان يريد سلوك الطريق إلى الله تعالى والوصول إلى رضاه؛ إنما يكمن في تحصيل كمال هذه القوى الثلاث ( القوة العاقلة كمالها بالعلم ، القوة الغضيبة كمالها بالحلم، القوة العاملة كمالها بالعبادة إلى الله تعالى ) ولذلك يقول الإمام ( عليه السلام) :[ولكن الخير أن يكثر علمك و يعظم حلمك و تباهي الناس بعبادة ربك ..].

إن المال تنقصه النفقة وأما العلم فمع إنفاقه يزكو وينمو، وكلما أنفقت شيئا من العلم أي علمته للآخرين، لذلك فإن العلم خير من المال.. وفي حديث لرسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يقول: ( العلم رأس الخير كله والجهل رأس الشر كله).

وفي حديث آخر يبين رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) إن اقرب الناس من درجة النبوة هم أهل العلم والجهاد..ففي الوقت الحاضر وسائل طلب العلم والمعرفة متاحة للجميع.. فقط على الإنسان أن يفرغ شيئاً من وقته لمعرفة أحكام الله تعالى ومعرفة أحكام الحلال والحرام، لأن ذلك يفتح له الباب لحقيقة العمل المرضي عند الله تعالى ولسعادته في الدنيا والآخرة..ومن الأمور الأخلاقية المهمة أيضا والتي يجب أن نتحلى بها هي مسألة سعة الصدر والعفو والصفح عن تجاوزات وإساءات الآخرين.. فنحن بحاجة إلى هذه الصفة الحميدة خاصة ونحن في هذا البلد وهذا الشعب.. كون الكثير منه يتميز بسرعة الانفعال والتشنج والرد السريع والرد على الكلام وتصرفات الآخرين..هذا ليس بصحيح ، إن الأخلاق الحميدة التي أوصانا بها ديننا أن يكون الرد عاقلا وان يتحلى بالصفح عن الآخرين فإنها من مكارم الأخلاق فهذا هو وجه من وجوه الخير.

ثم يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (تعلموا الحلم فإن الحلم خليلُ المؤمن ووزيره)

ثم من جملة الأمور التي هي من الخير هي العبادة لله تعالى، إذ يقول الإمام ( عليه السلام):(إن تباهي الناس بعبادة ربك) وهذا لا يعني أن يتفاخر الإنسان على الآخرين بعلمه وحلمه وعبادته.. بل ينبغي أن يكون التباهي والتفاخر الحقيقي إنما بالعبادة وطبعاً العبادة بشروطها التي من جملتها الإخلاص لله تعالى واليقين والمعرفة بالعبادة، فهذه أمور مهمة لا بد أن يتحلى بها الإنسان المؤمن لكي يكون عابداً حقيقياً لله تعالى.

إن العبادة الحقيقية ليست منحصرة في الصلاة والصوم والحج والزكاة، إنما هناك ممارسات وسلوك وقيم اجتماعية وقلبية مهمة عند الله تعالى وهي ربما تكون العبادة الحقيقية كاليقين والورع والتوكل على الله تعالى والرضا والتسليم بقضائه وقدره والشكر والصبر وصدق الحديث وأداء الأمانة فهذه من الأمور التي هي عبادات لله تعالى كونها تكشف عن حقيقة العبودية من الإنسان لله تعالى..فان صدرت منك عبادة أو فعل خير؛ اشكر الله تعالى فهذه نعمة وفقك الله إليها والشكر سبب للمزيد من التوفيق لمثل هذه الإعمال العبادية وفعل الخير، وان الإنسان إذا أساء فليبادر مباشرة إلى التوبة، والتوبة الحقيقية هي أن تبدأ التوبة من أعماق القلب وان تشعر بالندم والحرقة في داخل القلب، كيف تجرأت على الله تعالى؟ ولماذا تجرأت على الناس وعلى حقوق الآخرين؟

أخيراً فإن كل إنسان -إخواني- الآن لديه الفرصة لأن يراجع نفسه ويجعل لنفسه شيئا من الوقت للمراقبة والمحاسبة ويتدارك هذه المعاصي والذنوب والآثام في هذه الحياة الدنيا لان الفرصة متوفرة ، قبل أن يأتي يوما تفوت فيه ، وعلى الإنسان أن يؤدي الحقوق المالية التي عليه وان يؤدي حقوق الناس فأنه في الحياة الدنيا يمكن أن يتدارك الإنسان آثار تلك الذنوب والمعاصي ، وأما إذا حل به الموت؛ فانه لا تبقى له فرصة لكي يتدارك تلك الآثار إلا إذا كان له أولاد صالحون يتداركون - ربما - بعض ما صدر منه من المخالفات..كل إنسان أعطاه الله من الطاقات والإمكانيات ما يمكنه من فعل الخير فعلينا إن نسارع لفعل الخير لان الدنيا دار عمل ولكن في الآخرة يكون هناك حساب ولا عمل

الخطبة الثانية

تطرق ممثل المرجعية الدينية العليا لفاجعة الأحد الدامي قائلاً " لم ينته المواطنون من أهالي ضحايا الأربعاء الدامي من لملمة جراحهم، ولم تجف بعد عيون الأرامل والمفجوعين من دموع الأسى والحزن بتلك الفجيعة، حتى نكبت من جديد عوائل أخرى لمواطنين أبرياء بجريمة إرهابية جديدة في يومٍ دام ٍ آخر" .

وتقدم سماحة الشيخ (عبد المهدي الكربلائي) في خطبة صلاة الجمعة (10 ذي القعدة 1430 الموافق 30/10/2009) في الصحن الحسيني الشريف لعوائل الشهداء بأسمى آيات العزاء والحزن بهذه الفاجعة الكبيرة سائلا الله تعالى أن يتغمدهم برحمته الواسعة ويسكنهم جنان الخلد وان يمنّ على الجرحى بالشفاء العاجل.

ومع تكرار هذه التفجيرات وفي نفس المنطقة طالب سماحة الشيخ الكربلائي القوات الأمنية بمراجعة شاملة لمواضع الخلل في الخطة الأمنية، وقال في هذا الصدد " قبل أن نحدّد موضع التقصير لابد من تشخيص عاجل لمواضع الخلل هذه من أجل سدّها عاجلاً واتخاذ الإجراءات المناسبة لمنع تكرار مثل هذه الحوادث. فهناك دعاوى من بعض القادة الأمنيين بان السيارات التي فجّرت قد فُخِّخت في نفس المنطقة، ودفعت إلى أهدافها من داخل المربع الأمني للمنطقة ذاتها - منطقة الصالحية- وعلى فرض أن يكون هذا التشخيص محتملاً ووارداً فهذا يعني إن هذه السيارات التي نفذت بها الجريمة الإرهابية لم تتسلل من مناطق أخرى .. وإنما هناك بيوت أو أماكن من داخل المنطقة قد حصل تفخيخ السيارات فيها.

ومن هنا - وبعد التثبّت من صحة هذه الدعوى - فإن على الأجهزة الأمنية أن تضع خطة وتتخذ إجراءات مناسبة لمثل هذا الخرق خاصة في المناطق الحسّاسة والمهمة وان تعمم الإجراء المناسب على بقية المناطق المهمة. على ضوء هذا التحليل فليس هناك تقصير في نقاط التفتيش التي لم تمر بها هذه السيارات..".

واضاف سماحته " وأما إنها فخخت خارج المنطقة وهذا الاحتمال – لابد من التحقق منه- ومعرفة الخلل في نقاط السيطرة التي مرّت منها هذه السيارات، وعلى كل حال – وعلى ضوء جميع الاحتمالات- فإن المطلوب وبصورة عاجلة هو التشخيص للموقع الذي جرى فيه التفخيخ وانطلاق هذه السيارات منه. فإن التشخيص الدقيق لموضع الخلل الأمني هو الذي سيوصل الأجهزة الأمنية إلى موضع الخلل في خطتها الأمنية وفي إجراءاتها الاحترازية. ومن ثم فإن وضع المعالجة الصحيحة لهذا الخلل هو الذي سيمنع من حصول حوادث إرهابية مستقبلا ً خاصة ونحن مقبلون على الانتخابات، ومن المؤكد إن الجهات التي لا تريد النجاح للعملية السياسية ستسعى بكل ما لديها من إمكانيات لإشاعة الفوضى الأمنية والقيام بالكثير من العمليات الإرهابية لنزع ثقة المواطن بالحكومة وبالأجهزة الأمنية وبالعملية السياسية برمتها .... ومن هنا فإن المطلوب هو الإسراع بالوصول إلى التشخيص الدقيق لموضع الخلل الأمني ومعالجته وعدم التسرع في الاجتهادات الشخصيه غير المبتنية على الدليل".

ومع عدم توصل مجلس النواب إلى اتفاق حول قانون الانتخابات وبقاء عقدة كركوك من دون حل، أكد سماحة الشيخ الكربلائي على " ان الوقت المتبقي لإجراء الانتخابات بدأ يضيق ... ولابد من الأخذ بنظر الاعتبار إن إجراء الانتخابات في موعدها المحدّد مبدأ ديمقراطي ودستوري لا بد من المحافظة عليه ولا يمكن أن تحيد عنه العملية السياسية في العراق ... كما إن تأخيرها عن هذا الموعد له آثار خطيرة على الوضع السياسي والأمني في العراق فإن ذلك سيشل حركة مؤسسات الدولة وسيتيح للإرهابيين العبث بأمن العراق وشعبه أكثر من ذي قبل .. كما إن سرعة التوصل إلى اتفاق حول هذا القانون سيوجه ضربة قوية للإرهاب وأعداء العراق ... وان الردّ المطلوب في الوقت الحاضر على هذه الجرائم الإرهابية هو سدّ الثغرات الأمنية من جهة وإجراء الانتخابات في موعدها المحدّد والمشاركة الواسعة من المواطنين فيها ..".

ودعا سماحته الكتل السياسية أن يتحملّوا مسؤوليتهم الشرعية والوطنية في الظروف الحاضرة التي يمر بها العراق وهو سرعة التوصل إلى اتفاق بشأن القضايا العالقة.

وعن ضرورة الالتزام بالأخلاق الفاضلة، قال ممثل المرجعية الدينية العليا " أنه وللأسبوع الثالث على التوالي يتوافد مواطنون من منطقة الكرادة الشرقية ويقدّمون شكواهم مما يحصل في هذه المنطقة من مظاهر علنية مخالفة للقيم الأخلاقية والأعراف الاجتماعية .. وفي ليلة الجمعة الماضية رفعت شكوى موقعة من قبل أئمة مساجد وخطباء ورؤساء وجمعيات ومنتديات ثقافية ووجهاء ورؤساء عشائر وموظفين وكسبة ومن مختلف شرائح المجتمع ... يشكون سوء الحال الذي وصلت إليه هذه المنطقة والمعروفة منذ سنين طويلة بمحافظتها على التزامها الديني والأخلاقي والحضاري وانه قد طفح بهم الكيل بعدما انتشرت ظواهر عامة وعلنية منافية تماماً لقيم المجتمع الأخلاقية وأعرافه وان جميع شرائح المجتمع هناك حتى المسيحيين منهم متذمرون جداً من هذه الظواهر ويطالبون الحكومة بحل عاجل لها...".

واستطرد قائلا " انطلاقاً من كون منبر الجمعة هو منبر صوت المواطنين الذين يطالبون برفع معاناتهم وحل مشاكلهم حيث لا يجدون من يسمع إليهم ويصغي ... نضم صوتنا إليهم ونطالب الجهات المسؤولة بوضع حدٍّ لمثل هذه الظواهر المنافية للأخلاق والآداب العامة .. إذ أن كثيراً من الدول – حتى التي لا تدين بدين سماوي – تمنع مثل هذه الظواهر حفاظاً على الوضع الأخلاقي العام والأعراف الاجتماعية لشعب تلك الدول".