

الخطبة الأولى
سبق أن تناولنا في الخطبة السابقة بعض فقرات من كتاب أمير المؤمنين ( عليه السلام) ووصاياه إلى احد خواص شيعته وهو الحارث الهمداني ووصاياه إلينا أيضا بتلك المجموعة من مكارم الأخلاق ومحمود الآداب التي سنتعرض هنا إلى قسم آخر منها إذ يقول الإمام ( عليه السلام) في كتابه :(وَاسْتَصْلِحْ كُلَّ نِعْمَة أَنْعَمَهَا اللهُ عَلَيْكَ، وَلاَ تُضَيِّعَنَّ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِ اللهِ عِنْدَكَ، وَلْيُرَ عَلَيْكَ أَثَرُ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْكَ ).
في هذه الفقرة يوصينا الإمام (عليه السلام) بإظهار نعم الله تعالى علينا والشكر لها لكي نحافظ عليها ونديم هذه النعمة، والإمام ( عليه السلام) يبين هنا إن من جملة تلك الآداب والأخلاق الكريمة للإنسان المؤمن وأن يلتفت إلى كثرة النعم التي أسبغها الله تعالى على عباده فيشكرها لكي يديم الله تعالى تلك النعم ويبقيها، والسبب في ذلك هو غفلة الإنسان عن هذه النعم، وعدم تصوره الكامل لأنواعها الكثيرة جداً التي انعم الله تعالى بها علينا.
ولو قيض لأحدنا الالتفات إلى أنواع النعم سواء على مستوى الظاهر منها أم الباطن؛ لوجد إن هناك الكثير من النعم العظيمة التي تستوجب الشكر لله تعالى، فهناك نعم روحية غير مادية وهناك نعمة الوجود ونعمة إرسال الكتب السماوية ونعمة إرسال الأنبياء والأوصياء ونعمة الهداية والتوفيق لولاية الأولياء، فهذه نعم عظيمة منّ الله بها على العباد ولكن في كثير من الأحيان قد يفكر الإنسان فقط في ما انعم الله عليه من المال والمسكن والملبس والتمتع في الحياة الدنيا، ولهذا يوصينا الإمام بأن نشكر الله تعالى على جميع النعم ويوصينا بإظهار هذه النعم في الملبس والمسكن وفي بقية الأمور، لان الله تعالى يحب أن يرى اثر هذه النعم على عباده.
ثم يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):[وَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُهُمْ تَقْدِمَةً مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَإِنَّكَ مَا تُقَدِّمْ مِنْ خَيْرٍ يَبْقَ لَكَ ذُخْرُهُ، وَمَا تُؤخِّرْهُ يَكُنْ لِغَيْرِكَ خَيْرُهُ].
إن الإمام (عليه السلام) يبين بان أفضل منزلة للمؤمن هو أفضلهم تقدمَةَ - أي بذلاً- وإنفاقاً ، وان ما ينفقه من ماله من خير وما ينفقه ويتصدق به من قول وفعل أيضا ، ويبين الإمام(عليه السلام) هنا انك ما تتعب أيها الإنسان وتشقى وتحصل عليه من مال وأمور أخرى فإذا ما أنفقته؛ سيكون لك ذخره، وأما إذا لم تنفقه سيكون لغيرك خيره.
إن كثيراً من الناس قد يبخل بإعطاء الحقوق الشرعية، ويبخل بالصدقات والإحسان إلى الغير، ويبخل بفعل الخير فيبقى هذا المال وبعد ذلك إلى من سيؤول هذا المال؟ وهذا الخير الكثير سيكون إلى الغير وسيرثه الآخرون من ورثته وسيتمتع هؤلاء الآخرون بخيرات هذا المال وستبقى التبعات فقط على الإنسان.
ثم يقول الإمام ( عليه السلام) :[وَاحْذَرْ صَحَابَةَ مَنْ يَفِيلُ رَأْيهُ، وَيُنْكَرُ عَمَلُهُ فَإِنَّ الصَّاحِبَ مَعْتَبَرٌ بِصَاحِبِهِ].(يَفِيلُ رَأْيهُ)هو الشخص الضعيف الرأي، إن هناك أشخاصاً لهم رأي معتد به لان لديهم عِلم ومعرفة وخبرة في أمور الحياة ، وهناك شخص ضعيف الرأي بسبب جهله وغفلته وبلادته، فالإمام ينصح هنا بأنه إذا أردت أن تتخذ صاحباً لك؛ فاتخذ الشخص الذي يُعتد برأيه ويكون له رأي عاقل وحكيم فان الشخص السيئ في أفعاله وتصرفاته وينكر الناس تصرفاته؛ إذا صاحبتهُ حتماً ستنعكس تصرفاته السيئة عليك.
ثم يقول(عليه السلام): [وَاحْذَرْ مَنَازِلَ الْغَفْلَةِ وَالْجَفَاءِ وَقِلَّةَ الْأَعْوَانِ عَلَى طَاعَةِ
اللهِ ، وَاقْصُرْ رَأْيَكَ عَلَى مَا يَعْنِيكَ].
لابد أن يكون للإنسان المؤمن شخص يؤاخيه ممن يعينه على طاعة الله تعالى وحتى يتأثر به ويقتدي به وهذا الإنسان المؤمن يذكرك بالله تعالى وبالموت ويعلمك الأحكام الشرعية وتتأثر بصحبته على أن يكون لك عوناً في طاعة الله تعالى.
إن الإمام يوصينا بان الأمور التي تهمك وتعنيك مسموح لك أن تبيّن رأيك فيها، أما الأمور التي لا تعنيك؛ فلا تكن فضولياً وتدلي رأيك في أمر لا يهمك ولا يعنيك وبالتالي تلقى ما لا ترضى.
ثم يقول الإمام(عليه السلام) : [وَإِيَّاكَ وَمَقَاعِدَ الْأَسْوَاقِ، فَإِنَّهَا مَحَاضِرُ الشَّيْطَانِ وَمَعَارِيضُ الْفِتَنِ، وَأَكْثِرْ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَنْ فُضِّلْتَ عَلَيْهِ فإِنَّ ذلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الشُّكْرِ ].
إن الجلوس في الأسواق وسيلة ينفذ منها الشيطان ربما لأن فيها تجري معاملات محرمة أو تحاسد أو تباغض وان ذلك ربما يؤدي إلى حصول الفتن، فالإيمان نصفان نصف في الصبر ونصف في الشكر، فمن جملة الأمور التي تجعل العبد شكوراً، هي النظر لمن أنت أفضل منه في الرزق أو الصحة أو أنت أفضل منه في رزق المال أو أنت أفضل منه في رزق الأولاد أو أنت أفضل منه في رزق العلم وغير ذلك، فأنظر إلى الفرد المريض وأنت معافى أو إلى الفرد الذي هو أفقر منك وأنت أغنى وغير ذلك..حينئذ ستكون عبداً شكوراً لأنك حينما تنظر إلى من هو أدنى منك ستتولد لديك القناعة والقناعة تولّد الرضا والتسليم بما قدر الله تعالى.
ثم يقول الإمام(عليه السلام): [ ولا تمدّن عينيكَ إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى، وَأَكْثِرْ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَنْ فُضِّلْتَ عَلَيْهِ فإِنَّ ذلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الشُّكْرِ ]
أخيراً يجب أن لا انظر إلى شخص يملك كذا سيارة وكذا بيت وعنده أموال وسيارات وأنا ليست عندي، وإنما انظر إلى من هو دوني حتى اشكر الله تعالى ويكون ذلك سبباً لإبقاء هذه النِعم..نعم يمكن أن انظر إلى من هو أعلى وأكثر مني علماً أو تقوى مثلاً ولكن لا انظر إليه بنظرة حسد وإنما من اجل أن أسعى نحو الأفضل.
الخطبة الثانية
اعرب ممثل المرجعية الدينية العليا في مدينة كربلاء المقدسة عن قلق المرجعية من حصول فراغ دستوري في حال تأجيل الانتخابات عن موعدها المقرر في منتصف شهر كانون الثاني لعام 2010م.
وقال سماحة الشيخ (عبد المهدي الكربلائي) في خطبة صلاة الجمعة ( 3ذي القعدة 1430الموافق 23/10/2009) التي أقيمت في الصحن الحسيني الشريف " أود أن أعرب عن قلق المرجعية الدينية العليا من عدم إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، والتي تؤكدّ في الوقت نفسه على ضرورة توفير جميع الأسباب والظروف الملائمة التي تتيح إجراؤها في موعدها المحدد، مبينا انه لم يتم لحد الآن البت بقانون الانتخابات من قبل مجلس النواب وانما هناك تأجيل بعد تأجيل، مضيفا ان هذا التأجيل المتكرر الذي قد يستمر أسابيع أخرى ربما يؤدي الى تضيّيق الوقت بحيث لا يتوفر الإطار القانوني المقبول والمرضي من قبل الشعب العراقي والمرجعية الدينية العليا لإجراء الانتخابات في موعدها إضافة الى عدم تمكن المفوضية العليا من تطبيق الآليات المطلوبة لإجراء الانتخابات في موعدها المقرر، وبالتالي ربما لا يتيسّر إجراؤها في موعدها المحدد في منتصف شهر كانون الثاني من العام القادم.
وأضاف انه تأخير الانتخابات مخالف للدستور وسيترك فراغاً دستورياً كبيراً في البلاد ويمكن ان يسهم في خلق عدم استقرار سياسي على نطاق واسع وربما يقضي الى حصول عدم استقرار أمني وتعطيل الدور الحكومي المطلوب لتسيير أمور الوزارات والدوائر لفترة طويلة مما سيلحق بالبلاد ضرراً كبيرا.
وبخصوص ما تناقلته بعض وسائل الإعلام من نية الحكومة توزيع أراضي على كبار المسؤولين من الوزراء ووكلائهم والمدراء العامين، أشار الكربلائي "انه سبق ان حصل تعرض لهذا الموضوع في خطبة الجمعة السابقة وأود ان اذكر انه سبق ان صدر قرار بإيقاف توزيع مفردات الحصة التموينية على كبار المسؤولين من اجل تخفيف العبث عن كاهل الميزانية وللوصول الى توزيع يضمن استمرار تدفق هذه المواد على الطبقة الفقيرة". متسائلا عن تفسير اتخاذ قرار بتوزيع أراضي في العاصمة على كبار المسؤولين، مبينا انه من المعيب ان يتخذ قرار بحجب البطاقة التموينية عن هؤلاء المسؤولين وبعد فترة يمنحون امتيازاً على حساب الغالب من ابناء الشعب العراقي، مشيرا ان مثل هذا الأمر سيخلق فجوة بين عموم المواطنين وبين مسؤولي الدولة بل سيؤدي على إضعاف الثقة بالعملية السياسية وشعور المواطن ان المسؤولين بدل ان يضعوا حلولاً لمشاكل السكن لأغلب أبناء الشعب العراقي واذا بهم يمنحون أنفسهم امتيازات خاصة، موضحا ان أزمة السكن المستفحلة لأغلب أبناء الشعب العراقي وخاصة الطبقات الفقيرة والمحدودة الدخل تستدعي وضع الحكومة لحلولٍ عاجله ولو لحل شيء من أزمة السكن وليس جميع المشكلة. اذ ان ذلك يحتاج الى سنين طويلة وإمكانيات كبيرة حتى يشعر المواطن ان المسؤولين يستشعرون معاناته ويحرصون على وضع حلول مناسبة لها. لذلك نأمل من حكومة رئيس الوزراء الأستاذ نوري المالكي ان يوقف هذا الأمر، وان يكون هناك توجيه بان تعمل الدوائر والوزارات المعنية بحل ازمة السكن للعمل السريع من اجل وضع حلول سريعة لمعالجة هذه الازمة ولو بعضها ومن جملة تلك الإجراءات توزيع أراضي على المواطنين ومنح القروض وبناء المجمعات السكنية وغيرها.
وتابع الشيخ الكربلائي حديثه انه مع توارد الأنباء عن ظاهرة انتشار مرض انفلونزا الخنازير خاصة في بعض المدارس وما أعقب ذلك من غلق لبعض المدارس فان المرجعية الدينية العليا تؤكد على المواطنين ضرورة إتباع الإرشادات والنصائح الصحية التي توجه بها الدوائر الصحية المعنية بذلك حفاظاً على الصحة العامة، نافيا في الوقت نفسه صحة ما أشيع بان سماحة السيدّ السيستاني –دام ظله الوارف- يوصي ببعض الأطعمة او تناول مواد غذائية معينة بل ان وصايا المرجعية الدينية العليا هو ما تم ذكره انفا، مؤكدا بان على الدوائر الصحية والتربوية ضرورة الإسراع بمعالجة بعض الأسباب المؤدية الى انتشار المرض ومنها توفير المياه الصالحة للشرب وتوفير دورات المياه المناسبة وغير ذلك..