

الخطبة الأولى
إكمالا لما بدأناه في تناولنا المتتالي لفقرات من دعاء ( مكارم الأخلاق ) للإمام علي بن الحسين السجاد ( عليه السلام) وقد صلنا إلى الفقرة الأخيرة وهي الخاتمة لهذا الدعاء المبارك حيث يقول الإمام ( عليه السلام) فيها :
(وَانْهَجْ لِي إلى مَحَبَّتِكَ سَبيلاً سَهْلَةً أكْمِلْ لِي بِهَا خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِـرَةِ. أللَّهُمَّ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ كَأَفْضَلِ مَـا صَلَّيْتَ عَلَى أَحَد مِنْ خَلْقِكَ قَبْلَهُ، وَأَنْتَ مُصَلٍّ عَلَى أَحَد بَعْدَهُ، وَآتِنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنِي بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ النَّارِ. )
لكثرة تعلقنا بالأمور الحسية والمادية ؛ فقد يتصور الواحد منا بان خير الدنيا هو هذا الخير المحسوس من الأموال والأولاد والبيوت والرفاهية في العيش، وهذه المعاني متداولة عندنا ولا شك فإن تلك الأشياء بنفسها رحمة من الله تبارك وتعالى لكن بالحقيقة لا ينحصر الخير بها وإنما قد تكون والعياذ بالله مدعاة إلى الغفلة أيضاً ومسلك نحو الابتعاد عن الوظيفة الإلهية التي أرادها الله تبارك وتعالى منا.
مما لا شك فيه إن خير الدنيا مطلوب وهذا الخير عندما يدعوا لشيء؛ فلا بد أن نعرف ما هية هذا الخير الذي يريده الإمام ( عليه السلام) بحيث يطلب من الله تعالى أن يكمل له خير الدنيا وخير الآخرة، فالعافية هي خير في الدنيا وبعض المال أيضا خير والأولاد وسعة المعيشة بمقدار لا تجعل الإنسان في ذلة ، ولكن بلا شك هذه الأشياء بنفسها ليس هي مقصداً لذاتها وإنما هي وسائل لشيء آخر، إذ أن الإنسان يستعين بهذه الأمور على أن يغتنم منها ما يعينه على نهاية المسير.
إن هذه الأشياء ليست هي المطلب بنفسه وإنما ما يستعين به الإنسان على ما يجعلها خيراً وتجتمع مع خير الآخرة.عندما يتوفق الإنسان أن يوظف ما أعطاه الله تبارك و تعالى ويعلم إن هذه الطريقة طريقة موصلة إلى النجاة يكون في الدنيا هو في الآخرة، فخير الدنيا لا يكون مطلوباً لنفسه وإنما غالباً ما يعين على فوائد أخرى.
فقد سئل أمير المؤمنين ( عليه السلام) ما هو الخير ؟ فقال ( عليه السلام) : ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك وان يعظم حلمك وان تباهي الناس بعبادة ربك فأن أحسنت حمدت الله وان أسأت استغفرت الله ولا خير في الدنيا إلا لرجلين : رجل أذنب ذنوباً فهو يتداركها بالتوبة، ورجل سارع في الخيرات.
إن الإنسان يذنب ويقع لا سامح الله في فخ الشيطان بشكل أو بآخر كأن تغلبه الشهوة أو الطمع أو حالة من حالات الضعف وعدم الإدراك أو الفهم فيقع في الذنب، لكن بعد ذلك يجب أن يتدارك ما وقع فيه بالتوبة وان لا يجعل الشيطان يحكم قبضته عليه وان يسارع إلى التوبة. هناك إنسان يتدارك ما وقع فيه من الخطأ والذنوب بالتوبة و يسارع تائباً إلى الله تعالى.. وهناك نوع آخر وهو إن هناك إنسان يسارع إلى الخيرات، والشخص الذي يسارع إلى الخيرات رجل عاقل وعبارة ( المسارعة ) أي سارع – فيها نوع من الحث إن أسرع خوفاً من أن يفوتك شيء، والإنسان يجب أن يسارع بالتوبة إلى الله تعالى لان هناك شيء ينتظره وهو الموت القضاء الذي لا يفلت منه أحد ، ولا بد أن نستفيد من وجودنا في الدنيا والمقصود من الاستفادة هو عبارة عن هذا الاستعداد والاطمئنان إلى أن مسيرة الإنسان مسيرة جيدة بحيث لو حل به الموت الآن يشعر بالاطمئنان وهذه المرتبة ليست بالهينة لكن الإنسان يدعو الله أن يرحمه وان يرأف به وان يكون قريباً منه وهذه الأمور سوف تساعد على اطمئنان القلب لان ذكر الله تعالى سيكون مع الإنسان حتى يطمئن قلبه.
في خاتمة الدعاء يمكن ملاحظة أيراد الصلاة على محمد وآل محمد وفيها أيضاً الدعاء ( آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقني برحمتك عذاب النار) والحسنة هنا هي مطلق الخير الذي نربطه مع سبق من الدعاء فيكون المضمون هو الخير.
الخطبة الثانية
تطرق ممثل المرجعية الدينية العليا عن الإعلام في هذا العصر إذ أنه يعتبر من الوسائل المهمة لإيصال المعلومة سواء كان إعلام صحافة أم تلفاز أم إذاعة، وأوضح أن له الدور الكبير في تغذية المتلقي بأنواع المعرفة سواء كانت معرفة حقة أو معرفة باطلة أو مطلب حق ( صحيح ) أو مطلب كذب وبالنتيجة الإعلام الآن يخلق أجواء مؤثرة في الوسط الذي يتحرك فيه، وتكلم عن خطورة الإعلام في تأجيج الكثير من المسائل التي قد لا تكون بهذه الضخامة والإعلام وسعها وأربك حالات كثيرة وجعل الاستقرار لا استقرار وجعل الأمان خوفاً وأمثال ذلك.
وتابع سماحة السيد احمد الصافي في خطبة صلاة الجمعة التي أقيمت في الصحن الحسيني الشريف في 12 شوال 1430هـ الموافق 2/10/2009م قائلا " الاختلاف طبيعة بشرية والناس تختلف فيما بينهم وليس الاختلاف وليد اليوم وهذا أمر طبيعي، وثقافة الاختلاف مرهونة بثقافة الشعوب عموماً ونحن في العراق بحمد الله تعالى قطعنا شوطاً كبيراً بحيث مارس الشعب مجموعة أمور استطاع أن يقول كلمته بشكل واضح ".
وطالب الإخوة الذين يملكون إعلاما حرا نزيها أن يراعوا نفسية الناس عند الاختلاف بحيث لا تصل الحالة إلى فتح جراحات لا تندمل وإنما تبقى المساحات العامة مفتوحة في إطار نوع من الثقافة في الاختلاف، لا يصل إلى حالة النبش عن أمور قد يكون فيها هتك أو تخرج عن الأمور والثقافات العامة فالناس تريد أن تعرف هذا الاختلاف أنه سينتج حالة يفهم فيها المتلقي ويعرف لب الخلاف وهذا نافع بلا شك لكن ينبغي أن لا يتحول الإعلام إلى توسيع جراحات نحن في غنى عنها.
ونبه سماحة السيد الصافي عن الوضع الأمني الذي قد شهد بعض الاختراقات وأدى إلى زعزعة وتشويه صورة يراد لها أن تتزعزع مع قدوم الانتخابات، راجيا من الإخوة في القوات الأمنية ومن يعنيه الشأن الأمني بأن يفوت الفرصة على أعداء البلد وان لا يمكنهم من النفوذ إلى مآربهم وان يكونوا على أهبة الاستعداد واليقظة وإلا يحصل هناك تراخي أو هفوة قد يستغلها الإرهابيون.
وعن بدء العام الدراسي الجديد وجه ممثل المرجعية الدينية العليا حديثه إلى وزارة التربية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي حيث أن الوزارتين ستستقبل أكثر من خمسة ملايين شخص وهم شرائح الطلاب والمدارس سواء كانوا في الابتدائية والمتوسطة والجامعية وكذلك وجه كلامه إلى الأسر الكريمة للطلبة الأعزاء بأنه مثلما يهتمون بالجانب العلمي للطلبة عليهم الاهتمام بالجانب الأخلاقي والقيمي بقوله: أن هناك مشكلة عند بعض الأسر عندما يخرج الطالب بزي لا يليق بطالب عِلم كأن تخرج البنت بزي لا يفرق بين الذهاب إلى مكان التنزه أو إلى مكان الدرس لا شك إن الأسرة تكون مسؤولة مباشرة عن تلك الحالة، مشيرا إلى كثرة المشاكل التي ترد إليه ولابد على الأسرة أن تراقب الولد أو البنت عندما يذهب إلى المدرسة بان لا يذهب إلى مكان آخر وكذلك ملاحظة ارتداءه للزي المناسب للمدرسة أو الجامعة، مؤكدا إن الأسرة إن لم تلعب دورا في ذلك سوف تلوم نفسها بعدئذ عندما يخرج هذا الطالب بسلوك (معوج) خصوصا من الأعمار الصغيرة ارتقاء بالأعمار الكبيرة.
وفي هذا الصدد أبدى سماحة السيد الصافي أسفه عن حالة الميوعة والابتذال التي بدأت تزحف إلى مدارسنا، مخاطبا الجميع بقوله: إذا لم يحفظ المعلم مهابته في نفس الطالب يتجرأ الطالب عليه ولا يمكن أن يأخذ منه علماً والمعلم أو المدرس أو الأستاذ الجامعي لابد أن يحافظ على شخصيته أثناء التدريس ولابد أن يفهم إن هذا المكان مقدس وانه يؤدي وظيفة مقدسة فيجب أن يخلص في المادة العلمية ويجب أن يبتعد عن تسخيف المادة من اجل أن يأتي له الطالب في درس مسائي بأجر لأنه بذلك سينكسر علمياً أمام الطالب.
ودعا أن تكون هناك مساحة محفوظة بين الطالب والمدرس فالطالب طالب والمدرس مدرس فهيبة المدرس يجب أن تحفظ والمدرس هو الذي يساعد على هذه الهيبة، ووجه كلامه إلى وزارتي التربية والتعليم العالي والبحث العلمي متسائلا: لماذا تتأخر الوزارة في توزيع لوازم التحرير لفترة طويلة ما يسبب من إرهاق الطالب بمبالغ كبيرة وكثيرة في شرائه للقرطاسية، علما أن هذه الحالة تكلف الطلاب وهم من عوائل متفاوتة من شراء اللوازم من نوعيات جيدة حيث أن الوزارة لم تتوفق في إعطاء الطلبة بعض اللوازم بمستوى جيد. فالمطروح في السوق أغلى بكثير وأجود من الدفاتر والقرطاسية التي توزع إلى الطالب والتي توزع في فترة متأخرة ...
وفي ختام خطبته الثانية نوه سماحته بالازدحام الحاصل في بعض المدارس قائلا: نحن عندما نقول إن الأسرة يجب أن تهتم والمعلم يجب أن يهتم نقول أيضا الدولة يجب أن تهتم فالكل عبارة عن وحدة واحدة، هناك زخم من الطلبة في صفوف متراصة وهناك مدارس ثلاثية الدوام وهناك زحمة وهناك ترميمات لا تكون في أوقات العطلة الصيفية وإنما في أوقات الدوام، هذه مشاكل خطيرة على مستوى الطلبة وأيضا هناك مشاكل لطلابنا في المعاهد والكليات والحالات الاجتماعية والنفسية بحاجة إلى معالجة ولا يمكن ذلك إلا بتظافر جميع الجهود.