رئيسيةاتصل بناEnglishالبث المباشرالزيارة بالإنابة
 






الصور

الشكاوى

الزيارة بالإنابة

البث المباشر


21 ذو الحجة 1430 | الثلاثاء 08 كانون الأول 2009

أنصار دين الله / الحلقة الثانية / حبيب بن مظاهر (*)


بقلم الأستاذ حسن كاظم الفتال

بعد استشهاد مسلم بن عقيل عليه السلام ورود خبره إلى الإمام الحسين عليه السلام. قال : إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمة الله عليه. وصار يردد ذلك مرارا فقيل له ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلا انصرفت من مكانك هذا فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة بل نتخوف أن يكونوا عليك فنظر إلى بني عقيل وقال: ما ترون فقد قتل مسلم بن عقيل ؟ فقالوا : والله لا نرجع حتى نصيب ثارنا أو نذوق ما ذاق فأقبل الحسين عليه السلام وقال : لا خير في العيش بعد هؤلاء فلما كان السحر قال لفتيانه وغلمانه : أكثروا من الماء. فاستسقوا وأكثروا ثم ارتحلوا فساروا حتى انتهى على ( زبالة) فأتاه خبر عبد الله بن بقطر فأخرج إلى الناس كتابا فقرأه عليهم :

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد :

فقد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن بقطر وقد خذلتنا شيعتنا. فمن أحب منكم الإنصراف فلينصرف من غير حرج ليس عليكم ذمام. فتفرق الناس عنه وأخذوا يمينا وشمالا حتى بقى أصحابه الذين جاؤا معه من المدينة، ونفر يسير ممن انظموا إليه. ( روضة الواعظين/ النيسابوري).

لقد فعل ذلك الإمام الحسين عليه السلام لعلمه بأن الأعراب الذين اتبعوه إنما إتبعوه وهم يظنون إنه سيأتي بلدا تقيم له الطاعة والحسين عليه السلام لا يريد أن يلحق به أناس لا يعلمون على أين ولماذا هم قادمون. إنما يريد أناسا يتطوعون بالذهاب على ما تدفعهم العقيدة والمبادئ السامية العظيمة.

السيوف ليست مع القلوب..

جاء في دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري في الصفحة 182 ما نصه :

قال أبو جعفر عليه السلام : حدثنا أبو محمد سفيان بن وكيع، عن أبيه وكيع عن الأعمش قال : قال لي أبو محمد الواقدي وزرارة بن جلح : لقينا الحسين بن علي عليهما السلام قبل أن يخرج إلى العراق بثلاث ليال فأخبرناه بضعف الناس في الكوفة وأن قلوبهم معه وسيوفهم عليه، فأومأ بيده نحو السماء ففتحت أبواب السماء ونزل من الملائكة عدد لا يحصيهم إلا الله، قال عليه السلام : لولا تقارب الأشياء وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء، ولكن أعلم علما أن من هناك مصعدي.هناك مصارع أصحابي، لا ينجو منهم إلا ولدي علي.

وثم قال أبو جعفر : حدثنا محمد بن جنيد عن أبيه جنيد بن سالم بن جنيد عن راشد بن مزيد قال: شهدت الحسين عليه السلام وصحبته من مكة حتى أتينا القطقطانة ـ وهو موضع في الطف ـ استأذنته في الرجوع فأذن لي، فرأيته وقد استقبله سبع عقور فكلمه، فوقف له فقال: ما حال الناس بالكوفة ؟

قال: قلوبهم معك وسيوفهم عليك.

قال: ومن خلفت بها ؟

قال: ابن زياد وقد قتل مسلم بن عقيل عليه السلام.

قال: وأين تريد ؟ قال : عدن.

قال له : أيها السبع هل عرفت ماء الكوفة ؟ قال : ما علمنا من علمك إلا ما زودتنا. ثم انصرف وهو يقول : وما ربك بظلام للعبيد، كرامة من ولي وابن ولي.

الحسين عليه السلام يكشف بع الأسرار

لندع الكثير من الأحداث ورواياتها ونخلف الكثير منها وراء ظهورنا ونتجاوز بعض المحطات إلا أننا نقف وقفة سريعة لنقتطف زهرة فاح أريجها فعطر تأريخا كاد البعض أن يشوه فيه صورا كثيرة نقتطف من السيرة العطرة قول سيد الشهداء سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين عليه السلام يوم عزم على الخروج إلى العراق حين قام خطيبا وقال : الحمد لله وما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله وآله، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف. وخير لي مصرع أنا لاقيه. كأني بأوصالي تتقطعها عسلان الفلوات، بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم. رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين لن تشذ على رسول الله صلى الله عليه وآله لحمته وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقر بهم عينه وينجز لهم وعده من كان فينا باذلا مهجته، موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإني راحل مصبحا إن شاء الله.

وبعد ذاك ننتقل إنتقالة سريعة إلى أروع وأقدس وأعظم محطة. وهي محطة الطف ونبدأ بسرد الأحداث منذ يوم التاسع من محرم الحرام لعام 61 للهجرة الشريفة.

وقف سيد الشهداء يعتلي ذرى الإشتياق إلى الرحيل وشاهقة التمني للإلتحاق بجده وأبيه وأمه وأخيه. إذ وقف ليخاطب العقول والضمائر قبل أن يخاطب أصحابه الذين وصفهم بوصف لا يحق لسواهم أن يتصفوا به إذ قال صلوات الله وسلامه عليه :أثني على الله أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء. اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة، وعلمتنا القرآن، وفقهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة، ولم تجعلنا من المشركين.

أما بعد : فإني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خير من أصحابي. ولا أهل بيت ابر ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني خيرا، ألا وإني لا أظن يوما لنا من هؤلاء. ألا وأني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعا في حل. ليس عليكم حرج مني ولا ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا. وليأخذ كل رجل منكم بيد صاحبه أو رجلا من أخوتي وتفرقوا في سواد هذا الليل وذروني وهؤلاء القوم، فإنهم لا يطلبون غيري، ولو أصابوني وقدروا على قتلي لما طلبوكم.

هيهات منا الذلة..

رغم أن سيد الشهداء عليه السلام كان غاية في الصدق في خطابه لأصحابه ولم يكن عليه السلام في قوله هذا مختبرا أصحابه وهو الواصف لهم قبل كلامه هذا وما كان يريد أن يمحصهم إنما أراد بذلك أن يمنحهم فرصة التعبير عن المشاعر والإفصاح عما مكنون في أعماقهم من مشاعر وأحاسيس صادقة لا يشابهها مثيل لا من قبل ولا من بعد وهم حين فتح لهم الآفاق للتعبير والإفصاح عرف بعضهم البعض الآخر بأن لا اختلاف بالنية. وقد هبوا هبة رجل واحد وتعالت صرخاتهم....

فقال له أخوته وابناؤه وأبناء عبد الله بن جعفر : لم نفعل ذلك لنبقى بعدك. لا أرانا الله ذلك وبدأهم العباس أخوه عليه السلام ثم تابعوه وقال لبني مسلم بن عقيل حسبكم من القتل بصاحبكم مسلم بن عقيل.. اذهبوا أنتم فقد أذنت لكم. فقالوا سبحان الله ما يقول الناس ؟ نقول إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا. لا والله ما نفعل ذلك ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلنا، ونقاتل معك حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك.

وقال مسلم بن عوسجة : أنحن نخلي عنك، بما نعتذر إلى الله في أداء حقك ؟ لا والله حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمة في يدي ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة. لا والله لا نخليك حتى يعلم الله إنا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وآله فيك، أما والله لو قد علمت أني اقتل ثم أحيا ثم أحرق ثم أحيا ثم أذرى و يفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.

وقال زهير بن القين البجلي : يا ابن رسول الله وددت إني قتلت ثم نشرت ثم قتلت ثم نشرت ثم قتلت ثم نشرت فيك وفي الذين معك مائة قتلة وإن الله دفع بي عنكم أهل البيت فقال له ولأصحابه : جزيتم خيرا.

وجسد ابن حماد موقفهم بقوله :

لست أنساه حين أيقن بالمو ت دعاهم وقام فيهم خطيبا

فأجابوه والعيون سكوب وحشاهم قد شب منها لهيبا

أي عذر لنا غدا حين نلقى جدك المصطفى ونحن حروبا

عاد الإمام الحسين عليه السلام وهو يردد :

يا دهر أف لك من خليل كم لك بالإشراق والأصيل

من صاحب وطالب قتيل والدهر لا يقنع بالبديل

وإنما الأمر إلى الجليل وكل حي سالك سبيل

ما أقرب الوعد من الرحيل

وعاد الأصحاب بعد أن انتهى سبط رسول الله صلى الله عليه وآله لتستمع الملائكة لدويهم الذي هو كدوي النحل إذ هم ما بين ساجد وراكع وقائم وقاعد.

أية صحبة كانوا ؟ وقف الأنصار موقفا لا نظير له لا من قبل ولا من بعد وتحدوا بوقفتهم هذه كل طغيان وبطش الحكم الأموي وصمدوا أمام كل رياح البغي والظلم وعواصف الجبروت الأموي وجسدوا أروع المواقف ورسموا أجمل الصور وأكثرها إشراقا في التاريخ الإسلامي. وسجلوا بدمائهم الزكية شهادات ميلادهم إذ أنهم توجهوا إلى الخلود وكانوا بوقفتهم هذه يدركون تمام الإدراك حقيقة ذهابهم مع الحسين عليه السلام إلى دار الخلود وقد حق قول الحسين عليه السلام فيهم حين قال: يستأنسون بالمنية دوني استئناس الطفل إلى محالب أمه. وكان يتقدمهم الشيخ الجليل حامل رايتهم الروحية حبيب بن مظاهر وسنتحدث في هذه الحلقة عن شخصيته.

المجاهد الأول حبيب بن مظاهر..

حين تذكر كتب الأنساب هذا الرجل تقول : حبيب بن مظهر بن رئاب بن الأشتر بن حجوان بن فقعس الكندي ثم الفقعسي.

وكان ذا جمال وكمال وكان يحفظ القرآن كله يختمه في كل ليلة بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر ونزل الكوفة وصحب أمير المؤمنين عليا عليه السلام في حروبه كلها وكان من خاصته وحملة علومه.

يصف أهل المقاتل أن حبيب بن مظاهر وهو صحابي مشهور وفقيه معروف ومجاهد شجاع مخلص في ولائه للنبي صلى الله عليه آله وأهل بيته عليهم السلام وقد نال شرف تكريم رسول الله له. أنه يوما قد قبله النبي صلى الله عليه وآله حين كان صبيا

فقد ورد في الجزء الرابع والأربعين من البحار للمجلسي رحمه الله : أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يوما مع جماعة من أصحابه مارا في بعض الطريق، وإذا هم بصبيان يلعبون في ذلك الطريق، فجلس النبي صلى الله عليه وآله عند صبي منهم وجعل يقبل ما بين عينيه ويلاطفه، ثم أقعده على حجره وكان يكثر تقبيله، فسئل صلى الله عليه وآله عن علة ذلك فقال صلى الله عليه وآله : إني رأيت هذا الصبي يوما يلعب مع الحسين عليه السلام ورأيته يرفع التراب من تحت قدميه ويمسح به وجهه وعينيه. فأنا أحبه لحبه ولدي الحسين عليه السلام، ولقد أخبرني جبرئيل أنه يكون من أنصاره في وقعة كربلاء

وحين كتب إليه الإمام الحسين عليه السلام رسالة خاطبه فيها بقوله : إنك ذو غيرة وشيمة

وروي إن الحسين عليه السلام كتب إلى حبيب بن مظاهر، أما بعد: يا حبيب فأنت تعلم قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنت أعرف بنا من غيرك وأنت ذو غيرة وشيمة فلا تبخل علينا بنفسك يجازيك جدي رسول الله صلى الله عليه وآله يوم القيامة. وحين وصل كتاب أبي عبد الله عليه السلام كان حبيب جالسا مع زوجته وبين أيديهما الطعام يأكلان غذ غصت زوجته من الطعام فقال: الله أكبر يا حبيب الساعة يرد علينا كتاب كريم من رجل كريم. فبينما هي بالكلام وإذا بطارق يطرق الباب، فخرج إليه حبيب وقال : من الطارق ؟ قال: أنا رسول الحسين عليه السلام إليك فقال حبيب : الله أكبر صدقت الحرة بما قالت ثم ناوله الكتاب ففضه وقرأه. فسألته زوجته عن الخبر فأخبرها فبكت وقالت بالله عليك يا حبيب لا تقصر عن نصرة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أجل حتى اقتل بين يديه فتصبغ شيبتي من دم نحري.

وكان لدى حبيب نية كتمان الأمر على عشيرته وبني عمه خشية معرفة ابن زياد بالخبر إذ إن عيون السلطة كانت تنتشر هنا وهناك وفعلا يبدو أن الخبر كاد أن ينتشر لولا حكمة حبيب وكياسته ز إذ أقبل بنو عمه إليه وقالوا له : بلغنا أنك تنوي الخروج لنصرة الحسين عليه السلام ونحن لا نخليك ما لنا والدخول بين السلاطين. فأخفى حبيب أمره وقصده ونيته وأنكر عليهم فرجعوا عنه وسمعت زوجته فقالت : يا حبيب كأنك كاره للخروج لنصرة الحسين عليه السلام ؟ كأن حبيب كان يريد أن يجعل كل شيء محكما ليحيط كل عمله بالكتمان ويطمئن لكل شيء حتى لزوجته وإن كان واثقا من ذلك إنما آثر أن يختبرها فحين قالت له كأنك كاره للخروج قال : نعم فبكت وقالت: أنسيت كلام جده في حقه وأخيه الحسين حيث يقول: ولداي هذان سيدا شباب اهل الجنة وهما إمامان إن قاما وإن قعدا وهذا رسول الحسين وكتابه أتى إليك ويستعين بك وأنت لم تجبه. فقال حبيب : أخاف على أطفالي من اليتم وأخشى أن ترملي بعدي فقالت : ولنا التأسي بالهاشميات والأيتام من آل الرسول والله تعالى كفيلنا وهو حسبنا ونعم الوكيل.

فلما عرف حبيب حقية الآمر واطمئن تمام الإطمئنان شكرها وجزاها خيرا وأخبرها بحقيقة أمره وعزمه على الذهاب إلى كربلاء والإلتحاق بالحسين عليه السلام.فقالت له : لي إليك حاجة فقال: وما هي ؟ فقالت : بالله عليك إذا رأيت الحسين عليه السلام قبل يديه نيابة عني واقرأه عني السلام.

وصدق فيهم قول الشاعر :

قوم إذا نودوا لدفع ملمة والخيل بين مدعس ومكردس

لبسوا القلوب على الدروع وأقبلوا يتهافتون على ذهاب الأنفس

نصروا الحسين فيالها من فتية عافوا الحياة وألبسوا من سندس

وقال الآخر :

نصروا ابن بنت نبيهم طوبى لهم نالوا بنصرته مراتب سامية

قد جاوروه ها هنا بقبورهم وقصورهم يوم الجزا متخاوية

وكان يقود هذه النخبة المنتخبة المصطفاة شيخ الأنصار حبيب بن مظاهر الأسدي.

وأود أن أشير إلى ملاحظة : ألا وهي وجود أوجه شبه كثيرة بين شخصية الإمام الحسين عليه السلام وشخصية جده صلى الله عليه وآله ووجود قاسم مشترك في جوانب كثيرة بل في كل الجوانب ومصداق ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله فيه ( حسين مني وأنا من حسين ) بعد أن نتجاوز السمات والصفات والسجايا فنتوقف عن الجانب الجهادي.

هي ذي أوجه الشبه

وبعد أن بالغت قريش في أذى رسول الله صلى الله عليه وآله وتآمرت على قتله أمره الله عز وجل أن يهاجر إلى المدينة وذلك بعد وفاة أبي طالب رضي الله عنه إذ أوحى الله إليه : اخرج منها فقد مات ناصرك. توجه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله إلى المدينة التي أزدهرت بنوره المشرق فصارت منورة وناصره من ناصره من أهل المدينة بأنفسهم ووقوه بمهجهم وفدوه بأبنائهم وآبائهم وشاركوا في غزواته وجاهدوا معه وقتلوا من الكفار ما قتلوا ومن أعاظم بني أمية وأكابر قريش حتى استقام الدين ولعل خروج الحسين عليه السلام من مكة يشابه خروج جده ودفاعه عليه السلام عن دين جده هو برهان يثبت أن نهجهه هو نهج جده صلى الله عليه وآله وأنه حقا الإمتداد الحقيقي الطبيعي لرسول الله صلى الله عليه وآله وجهاده أيضا هو جهاد جده صلى الله عليه وآله.

لقد تآمرت قريش على رسول الله صلى الله عليه وآله.كما تآمر بنو أمية على الإمام الحسين عليه السلام... قال رسول الله صلى الله عليه وآله لقريش حين طلبوا منه التراجع والتخاذل والإستجابة إلى مناهم قال: والله لو وضعتم الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا الأمر أو أموت دونه. وقال الحسين عليه السلام لمن أراد أن يأخذ منه البيعة ليزيد : إن مثلي لا يبايع مثله. خرج جده صلى الله عليه وآله من مكة من أجل نشر الدعوة الإسلامية.. وخرج هو من أجل ديمومة الرسالة وحمايتها والحفاظ عليها من الأعداء. لقد هاجر من مدينة جده إلى مكة ومنها إلى كربلاء بعد أن استشعر الخطر على الرسالة المحمدية إذ أن البوادر كانت تلوح بأنها معرضة إلى الخطر بل للإنهيار. كان خروج رسول الله صلى الله عليه وآله بأمر من الله جل وعلا وخروج الحسين عليه السلام بأمر من رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى إذ جاءه في المنام وأخبره بذلك. اشتركت القبائل في قتل رسول الله صلى الله عليه وآله ولم تفلح وقد حاك خيوط تلك المؤامرة شيخ الأمويين أبو سفيان واشتركت القبائل في قتل سيد الشهداء عليه السلام وحاك المؤامرة حفيد أبي سفيان يزيد. الذين وقفوا مع النبي صلى الله عليه وآله نفر قليل..وقد وقف مع الحسين ربما بالعدد نفسه.

الإمام عليه السلام يقوم الدين بدمه الطاهر..

لقد أدرك الإمام الحسين عليه السلام ثقل العبء الذي ألقي عليه وعظم الرسالة التي حملها على عاتقه وأن الأمر لا يمكن أن يصلح إلا بشهادته عليه السلام. ومصداق ذلك ما ينسب إليه عليه السلام يوم الطفوف في كربلاء. ( إن كان دين محمد لا يستقيم إلا بقتلي يا سيوف خذيني ) ومثلما خيبت هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله آمال المتآمرين عليه يوم هجرته. كذلك خيبت هجرة الحسين عليه السلام آمال بني أمية والمتمثلة بألعنهم يزيد إذ كان يهدف بهدم أركان الإسلام وتحطيم ما بناه رسول الله صلى الله عليه وآله فحطم الحسين عليه السلام كل تلك الآمال والأحلام.

لقد توجه الإمام الحسين إلى كربلاء ومعه أفراد لا يساوي عددهم عدد أصغر سرية من سرايا عمر بن سعد التي ضم جيشه آلافا منها.

كان يقود أنصار الحسين عليه السلام في كربلاء شيخ الأنصار حبيب بن مظاهر الأسدي وقد حمل الراية وتقدمهم في الجهاد وهو أهل لذلك الجهاد أذ أنه مجاهد جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومع وصيه أمير المؤمنين عليه السلام حتى عمّر ليجاهد مع الحسين عليه السلام.

جاء في البحار ج45 للمجلسي رحمه الله عن جبريل بن أحمد عن محمد بن عبد الله بن مهران عن أحمد بن النضر عن عبد الله بن يزيد الأسدي عن فضيل بن الزبير قال: مر ميثم التمار على فرس له فاستقبل حبيب بن مظاهر الأسدي عند مجلس بني أسد فتحدثا حتى اختلف أعناق فرسيهما ثم قال حبيب: لكأني بشيخ أصلع ضخم البطن يبيع البطيخ عند دار الرزق قد صلب في حب أهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله ويبقر بطنه على الخشبة. فقال ميثم : وإني لأعرف رجلا أحمرا له ضفيرتان يخرج لنصرة ابن بنت نبيه صلى الله عليه ويقتل ويجال برأسه بالكوفة. ثم افترقا.

فقال أهل المجلس: ما رأينا أحدا أكذب من هذين قال: فلم يفترق أهل المجلس حتى أقبل رشيد الهجري فطلبهما فسأل أهل المجلس عنهما فقالوا: افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا، فقال رشيد : رحمه الله ميثما نسي ( ويزاد في عطاء الذي يجيء بالرأس مائة درهم ) ثم أدبر فقال القوم : هذا والله أكذبهم، فقال القوم : والله ما ذهبت الأيام والليالي حتى رأيناه مصلوبا على باب دار عمر بن حريث، وجيء برأس حبيب بن مظاهر وقد قتل مع الحسين عليه السلام ورأينا كل ما قالوا.

ذكر الرواة أن حبيبا لدى خروجه أقبل على جواده وشده شدا وثيقا وقال لعبده : خذ فرسي وأمض به ولا يعلم بك أحد وانتظرني في المكان الفلاني فأخذه العبد ومضى به وبقي ينتظر قدوم سيده ثم أن حبيبا ودع زوجته وأولاده وخرج متخفيا كأنه ماض على ضيعة له خوفا من أهل الكوفة. فاستبطأه الغلام واقبل على الفرس وكان قدامه علف يأكل منه فجعل الغلام يخاطبه ويقول له : يا جواد إن لم يأت صاحبك لأعلون ظهرك وأمضي بك إلى نصر الحسين عليه السلام. فإذا قد أقبل حبيب فسمع خطاب الغلام له فأخذ يبكي ودموعه تجري على خده وهو يقول : بأبي وأمي أنت يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله. العبيد يتمنون نصرتك فكيف بالأحرار ؟ ثم قال لعبده : أنت حر لوجه الله. فبكى الغلام وقال : سيدي والله لا أتركك حتى أمضي معك وأنصر الحسين عليه السلام وأقتل بين يديه فجزاه خيرا.

حبيب يستبشر برحيله..

وكان حبيب من السبعين الرجال الذين نصروا الحسين عليه السلام ولقوا جبال الحديد واستقبلوا الرماح بصدورهم والسيوف بوجوههم وهم يعرض عليهم الأمان والأموال فيأبون فيقولون : لا عذر لنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله إن قتل الحسين عليه السلام ومنا عين تطرف حتى قتلوا حوله.

يروى أن حبيب بن مظاهر الأسدي مزح أو ضحك، فقال له يزيد بن حصين الهمداني وكان يقال له سيد القراء : يا أخي ليس هذه بساعة ضحك، قال : فأي موضع أحق من هذا بالسرور. والله ما هو إلا أن تميل علينا هذه الطغام بسيوفهم فنعانق الحور العين.

وعندما دخل مسلم بن عقيل عليه السلام إلى الكوفة كان حبيب بن مظاهر الأسدي يأخذ البيعة للحسين عليه السلام لدى دخوله.

وروي أن حبيب بن مظاهر الأسدي قال للحسين عليه السلام : أي شيء كنتم قبل أن يخلق الله عز وجل آدم عليه السلام ؟ قال عليه السلام : كنا أشباح نور ندور حول عرش الرحمن، فنعلم الملائكة التهليل والتحميد.

حبيب بن مظاهر هو من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام. وهو شخصية بارزة في مجتمع الكوفة وهو أحد الزعماء الكوفيين الذين كتبوا إلى الحسين عليه السلام. وكان معظما عند الحسين عليه السلام

وكان حبيب بن مظاهر يختم القرآن في كل يوم ختمة. لذلك قال له سيد الشهداء الحسين عليه السلام : لله درك يا حبيب لقد كنت فاضلا تختم القرآن في ليلة واحدة.

ويبدو أن السلطة كانت تخشى أن يتسامع الناس بما حدث في كربلاء فيؤدي ذلك إلى تدفق الأنصار على الحسين عليه السلام، لذا استعجلت إنهاء المعركة والقضاء على الحسين عليه السلام وصحبه الأطهار

لذلك قد سعى حبيب بن مظاهر في استقدام أنصار من بني أسد إنما حال بينه وبين ذلك بطش الجيش الأموي وغلبته بالعدة والعدد.

يجند حبيب عشيرته للنصرة..

إذ يروي الرواة أن حبيب بن مظاهر حين رأى قلة أنصار الحسين عليه السلام عزم على تجنيد بعض رجال بني أسد الذين كانوا يقطنون في منطقة قريبة من ساحة المعركة فاستأذن الحسين عليه السلام قبل المعركة بأيام أن يأتي قومه ويدعوهم إلى لنصرته فأذن له. فمضى لبني أسد وجلس في ناديهم وقام خطيبا فيهم وبعد أن عرفهم بنفسه بأنه سيد قبيلة بني أسد وكبير زعمائهم ووعظهم أوضح لهم أهمية الرسالة التي جاء من أجلها وحثهم على الإسهام في الثورة الحسينية العظيمة وقال في كلامه : يا بني أسد قد جئتكم بخير ما أتي به رائد قومه. هذا الحسين بن علي بن أبي طالب وابن فاطمة بنت رسول الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قد نزل بين ظهرانيكم في عصبة من المؤمنين وقد أطافت به أعداؤه ليقتلوه فأتيتكم لتنصروه وتمنعوهم وتنصروا رسول الله صلى الله عليه وآله فيه فو الله لئن نصرتموه ليعطينكم الله شرف الدنيا والآخرة

وقد استجاب لدعوة حبيب بن مظاهر من هذا الحي من بني أسد تسعون مقاتلا جاءوا معه يريدون عسكر الحسين عليه السلام، إذا استقبلتهم خيل ابن سعد على شاطئ الفرات، وكان بينهم وبين معسكر الحسين عليه السلام اليسير، فتناوش الفريقان واقتتلوا، فصاح حبيب بالأزرق بن الحرث : مالك ولنا، انصرف عنا يا ويلك دعنا واشق بغيرنا، فأبى الأزرق وعلمت بنو أسد أنه لا طاقة لهم بخيل ابن سعد فانهزموا راجعين إلى حيهم ثم تحملوا في جوف الليل جوفا من ابن سعد أن يكسبهم ورجع حبيب إلى الحسين عليه السلام فأخبره. (الخوارزمي / مقتل الحسين ).

حبيب مع الحسين عليه السلام في كل موقف..

بعض الوقائع تظهر أن حبيبا كان يلازم الحسين عليه السلام لأنه كان شيخ أنصاره

فلما خطب الإمام الحسين عليه السلام واحتج على جيش ابن زياد وقال : يا قوم انسبوني فانظروا من أنا ؟ ثم راجعوا أنفسكم هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي وأنا ابن بنت نبيكم وابن ابن عمه ؟ أليس حمزة سيد الشهداء عمي ؟ أو ليس جعفر الطيار عمي ؟ فقال الشمر لعنه الله : هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول.. فقال له حبيب بن مظاهر : والله يا شمر إنك لتعبد الله على سبعين حرفا، وأما نحن فو الله لندري ما يقول، وإنه قد طبع على قلبك.

وقد مشى معه إلى مسلم بن عوسجه عند مصرعه

إذ خرج مسلم بن عوسجة فبالغ بالجهاد وصبر على الجلاد وحين سقط كان به رمق مشى له الحسين عليه السلام ومعه حبيب بن مظاهر ورق له وقال رحمك الله يا مسلم : فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) ـ الأحزاب /23 فدنا منه حبيب بن مظاهر فقال: يعز علي مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة، فقال له قولا ضعيفا : بشرك الله بكل خير، فقال حبيب : لولا أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إلي بكل ما أهمك. فقال مسلم : إني أوصيك بهذا وأشار إلى الحسين عليه السلام. فقاتل دونه حتى تموت، فقال حبيب لأنعمنك عينا ثم قضي نحب مسلم رحمه الله لذا يقول الشاعر

نصروه أحياء وعند مماتهم يوصي بنصرته الشفيق شفيقا

أوصى ابن عوسجة جبيبا قائلا قاتل دونه حتى الحمام تذوقا

برز حبيب بن مظاهر وهو يقول :

أنا حبيب وأبي مظهر فارس هيجاء وحرب تسعر

وأنتم عند العديد أكثر ونحن أعلى حجة وأظهر

وأنتم عند الوفاء أعذر ونحن أوفى منكم وأصبر

حقا ومنكم وأعذر.

وقاتل قتالا شديدا وقال أيضا :

أقسم لو كنا لكم أعدادا أو شطركم وليتم الأكتادا

يا شر قوم حسبا وآدا وشرهم قد علموا أندادا

وقد قتل أثنين وستين رجلا حتى حمل عليه رجل من بني تميم فطعنه فذهب ليقوم فضربه الحصين بن نمير لعنه الله على رأسه بالسيف فوقع ونزل التميمي فاجتز رأسه وعلقه في عنق فرسه. فهد مصرعه الحسين عليه السلام وقال: عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي.

وقيل قتله رجل يقال له بديل بن صريم

رحم الله حبيبا ورضي الله عنه وسلام عليه يوم التحق بركب العز والإباء والتضحية والجهاد في سبيل الله ويوم استشهد مع سبط خير خلق الله وسلام عليه يوم يبعث ليحاجج من سيكون خصمه رسول الله صلى الله عليه وآله.

(*) برنامج من إذاعة الروضة الحسينية المقدسة

 
 


إعلام العتبة الحسينية المقدسة | www.imamhussain.org