

نتعرض خلال هذه السطور إلى بعض الكلمات الجامعة التي وردت في كتاب لأمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى الحارث الهمداني وهو احد خواص شيعته ومحبيه وقد تضمن الكتاب مجموعة من الوصايا القيمة التي تصبّ في مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب ونذكر هنا المقطع الأول من هذا الكتاب إذ يقول الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام) فيه :
[وَتَمَسَّكْ بِحَبْلِ الْقُرآنِ، وَانتْصِحْهُ، وَأَحِلَّ حَلاَلَهُ، وَحَرِّمْ حَرَامَهُ، وَصَدِّقْ بِمَا سَلَفَ مِنَ الْحَقِّ، وَاعْتَبِرْ بِمَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا مَا بَقِي مِنْهَا، فَإِنَّ بَعْضَهَا يُشْبِهُ بَعْضاً، وَآخِرَهَا لاَحِقٌ بِأَوَّلِهَا! وَكُلُّهَا حَائِلٌ مُفَارِقٌ ، وَعَظِّمِ اسْمَ اللهِ أَنْ تَذْكُرَهُ إِلاَّ عَلَى حَقّ. وَأَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَ الْمَوتِ، وَلاَ تَتَمَنَّ الْمَوْتَ إِلاَّ بِشَرْط وَثِيق ، وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ، وَيُكْرَهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍِ يُعْمَلُ بِهِ فِي السِّرِّ، وَيُسْتَحَى مِنْهُ فِي الْعَلاَنِيَةِ ].
إن القران الكريم - كما هو معلوم- كتاب إلهي نزل على نبينا الأكرم محمد بن عبد الله (ص) ليكون منهجاً متكاملا للحياة والذي يوفر عصمة ووقاية للإنسان من السقوط والانحراف بسبب تأثير الشهوات والأهواء ومغريات الدنيا وتسويلات الشيطان وغير ذلك من الابتلاءات ..ففي هذا الكتاب وردت الكثير من الأحاديث والنصائح والعبر والإرشادات ؛ لذا فأول وصية يبدأ بها الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام) في هذا الكتاب للحارث الهمداني إنه يوصي بالتمسك بكتاب الله الكريم بقوله: (وَتَمَسَّكْ بِحَبْلِ الْقُرآنِ، وَانتْصِحْهُ، وَأَحِلَّ حَلاَلَهُ، وَحَرِّمْ حَرَامَهُ، وَصَدِّقْ بِمَا سَلَفَ مِنَ الْحَقِّ).
أما معنى كلمة (وَانتْصِحْهُ ) أي اتخذه ناصحاً بحيث تقبل كل ما يرد فيه من مشورة وموعظة ونصح لأنه كتاب يهدي إلى الحق والى الصراط المستقيم كما في قوله تعالى: [[ إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً [الإسراء : 9]]
لذلك فإن الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام) يوصي في حديث آخر فيقول فيه :
( عليكم بكتاب الله فانه الحبل المتين والنور المبين والشفاء النافع والري الناقع والعصمة للمتمسك والنجاة للمتعلق..).
وسبق لنا أن بينا إن الإنسان بطبعه مخلوق ضعيف لا يقوى على الوقوف والصمود أمام مغريات الدنيا وشهواتها وتسويلات الشيطان وإغراءاته فيحتاج إلى قوة وعصمة ووقاية يتمسك بها من اجل أن لا ينحرف ويسقط في الرذيلة والضلالة لذلك أمير المؤمنين ( عليه السلام) يبين إن هذا الكتاب هو عصمة ووقاية لمن يتمسك بتعاليمه .
ثم يقول الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام) في فقرة أخرى من الكتاب: [وَأَحِلَّ حَلاَلَهُ، وَحَرِّمْ حَرَامَهُ ] القران الكريم هو ذلك الكتاب الفرقان الذي ميّز بين الحق والباطل وبيّن ما هو حلال وما هو حرام، فعلينا أن نطلع من خلال القران الكريم على ما هو حلال وما هو حرام ثم نلزم أنفسنا بالعمل بذلك بان نجتنب الحرام ونعمل بالحلال.
ثم يقول أمير المؤمنين ( عليه السلام): [وَصَدِّقْ بِمَا سَلَفَ مِنَ الْحَقِّ ] القران الكريم يتعرض في قصص كثيرة إلى أحوال الأمم الماضية والشعوب السابقة ويتعرض إلى كيفية تعامل الأمم مع أنبيائهم وبيان ما ارتكبت تلك الأمم من معاص ومخالفات ثم يبين نتائج تلك المخالفات والمعاصي ونتائج المواقف التي صدرت من تلك الأمم والشعوب ومن الإفراد في بعض الأحيان.
إن الغرض من إيراد تلك القصص لكي نعتبر نحن بها، لذلك علينا أن نستفيد من تجاربهم وندرس تلك السيرة والأحوال لكي لا نرتكب ونأتي بما حصل من تلك الأمم والأفراد باعتبار إن هناك نتائج وخيمة وعواقب سيئة ترتبت على تلك المواقف والأمم..ثم يضيف الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام): [وَاعْتَبِرْ بِمَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا مَا بَقِي مِنْهَا، فَإِنَّ بَعْضَهَا يُشْبِهُ بَعْضاً، وَآخِرَهَا لاَحِقٌ بِأَوَّلِهَا! وَكُلُّهَا حَائِلٌ مُفَارِقٌ ] .
لاشك إن كل واحد منا لابد مرّ بتجارب كثيرة في حياته ووقع في أخطاء وفي محرمات ومعاصي وهذه الأحداث التي مرّ بها أكيد كانت لها نتائج.. فليتعلم من تلك النتائج وما مر به سابقا ويتخذ من ذلك عِبرة وحكمة لكي لا يقع في الخطأ مرة ثانية.. فالدنيا زائلة وعلى الإنسان أن لا يجعل الدنيا همه وعليه أن ينزع حب الدنيا من قلبه..ثم يقول الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام): [وَعَظِّمِ اسْمَ اللهِ أَنْ تَذْكُرَهُ إِلاَّ عَلَى حَقّ]. فإن الله تعالى هو الخالق المدبر للخلق.. والله تعالى بجلاله وكبريائه وصفاته فلا تهوّن هذه الذات المقدسة من اجل أشياء بسيطة، فترى الكاسب من اجل دينار أو دينارين يحلف كثيراً بالذات المقدسة، يجب علينا أن ننزه ألسنتنا عن أن نحلف بالله تعالى في كل شيء حتى في أتفه الأمور وابسطها .
أما إذا كان هناك أمراً فيه حق وتريد أن تثبت هذا الحق فليكن لك قسمٌ بالله تعالى لكي يظهر ويثبت هذا الحق..ثم يقول (عليه السلام ) :[وَأَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَ الْمَوتِ ] فلنعتبر بالموت ولنذكر الموت دائماً وان هذه الدنيا سنفارقها ربما في ساعة قريبة، فلا بد أن نستعد لذلك ونكثر من ذكر الموت وكل واحد منا يمر بما يذكره بالموت كأن يحضر مجلس الفاتحة أو يحضر تشييع جنازة وحينما يمر بمثل هذه الأحوال فليجعل من الموت تذكرة وواعظاً له لأنه ربما بعد قليل هو الذي سيحمل في هذه الجنازة ويقام له مجلس الفاتحة، فلينزع الإنسان حب الدنيا من قلبه ويرتدع عن المعاصي ويتوب إلى الله تعالى..ثم يقول (عليه السلام ) :[وَلاَ تَتَمَنَّ الْمَوْتَ إِلاَّ بِشَرْط وَثِيق]
أحيانا فإن الإنسان قد يسأل الله الموت ويتمنى الموت لكن الإمام ( عليه السلام) يقول هذا التمني وهذه الرغبة ليست صحيحة على نحو الدوام فهذا الوجود وهذه الحياة نعمة من الله تعالى علينا أن نستثمرها في طاعته وعبادته باعتبار إن هذه الحياة الدنيا إنما هي معبر للحياة الحقيقية الكاملة في الآخرة. وإن ووجودنا وحياتنا إذا استثمرناهما في طاعة الله تعالى ؛ أوصلنا ذلك إلى تلك الحياة، فلا تتمنى الموت دائماً.. نعم تمناه إذا كان في طاعة الله تعالى ومن اجل إعلاء كلمة الله والدفاع عن الدين والمذهب والعرض.. أما في غير هذه الأمور فكلا..بل ادعوا الله تعالى أن يجعل حياتك مسخرة لطاعة الله وعبادته..
ثم يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أخيرا :[وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ، وَيُكْرَهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ] إذ إن الكثير منا يكره أموراً وتصرفاً وسيرة يصدر من الآخرين ولكنه يرضاه لنفسه، فكثير منا يكره ولا يرضى ما يصدر من الآخرين ما يخالف الأنظمة العامة ولكنه قد يفعل ذلك، فإذا كنت تكرهه للآخرين فلا ترضاه لنفسك.
القسم الثاني
دعا ممثل المرجعية الدينية العليا في مدينة كربلاء المقدسة المجتمع الدولي إخراج العراق من طائلة البند السابع.
وقال سماحة الشيخ (عبد المهدي الكربلائي) لم تعد الأسباب التي لأجلها وضع العراق تحت طائلة البند السابع لها وجود واقعي حتى يبقى العراق رازحاً تحت وطأة تلك العقوبات.
وأضاف الشيخ الكربلائي في خطبة صلاة الجمعة (5 شوال 1430 الموافق 2009/9/25) " اننا نلفت عناية المواطن الكريم إلى أهمية تحديث سجل الناخبين لأنه هو الذي سيوفر الفرصة له لممارسة حقه في الانتخابات. ربما لا توجد الآن لدى بعض المواطنين رغبة بالمشاركة في الانتخابات، ولكن حينما يحين موعدها فربما ستتوفر القناعة لديه بضرورة المشاركة في هذه الانتخابات. اما لوعيه بذلك أو لاعتقاده بان مصلحة بلده وشعبه ورغبته بالتغيير نحو الأفضل ستحصل لديه في ذلك الوقت. وحينما لا يجد اسمه في سجلات الناخبين سيحرم من هذه المشاركة ويندم على ذلك". مؤكدا بان "على المواطن أن يعرف بأنه لا توجد فرصة للتغيير نحو الأفضل إلاّ من خلال آلية الانتخابات وان مصير بلده ومستقبله مرهون بذلك، وان تحديث سجل الناخبين يحتل أهمية كبيرة في هذه المرحلة التي يمر بها هذا البلد والشعب العراقي". مبينا إن " من الضروري الإسراع في تعديل قانون الانتخابات بما يكون معه الاعتماد على القائمة المفتوحة لأنها مطلب شعبي. كما ان المرجعية الدينية العليا تؤكد على اعتماد هذا النظام لان هذه القائمة تمثل تفعيلاً واسعاً لان يكون لإرادة الناخب واختياره دور أساسي في اختيار المرشحين. كما إن ضمان المشاركة الواسعة من قبل المواطنين سيكون من خلال إقرار هذه الآلية، مبينا بان بعض الكتل السياسية يجب ان يكون لها موقف ايجابي معلن من هذا التعديل وتجهر به أمام وسائل الإعلام وعامة المواطنين، ولا يكون لها موقفاً آخرا من خلف الكواليس يخالف ما تعلنه، معتبرا مثل هذا الأمر لا يغفل عنه أبناء الشعب العراقي وحينما يعرف المواطنون ذلك فان مثل هذه الكتل ستفقد مصداقيتها وسمعتها أمام الناس وستخسر الكثير بسبب ذلك ".
وحول انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أكد الشيخ الكربلائي على " ضرورة تفهّم المجتمع الدولي للظروف التي يمر بها هذا البلد، وان العراق ما عاد بلداً يهدّد السلم والأمن الإقليمي والعالمي بعد إقرار الدستور ووجود نظام سياسي يحكم هذا البلد يتأسس على ضوئه مجلس للنواب يمثلون جميع أبنائه عن طريق الانتخابات وان القرارات المهمة والقوانين المشرعّة إنما تمّر من خلال مؤسسات دستورية كالبرلمان وغيره ".
ودعا الكربلائي من خلال خطبته الثانية أهل العلم والفضيلة من كافة المذاهب الإسلامية بمناسبة حلول الذكرى الأليمة لجريمة هدم قبور أئمة البقيع ( عليهم السلام) في المدينة المنورة من قبل العصابات التكفيرية الإجرامية دعاهم إلى بيان ضلالة وبطلان ما استند إليه الخط التكفيري كمسوّغ لجريمتهم المذكورة، والى بذل الجهود المطلوبة وعلى مختلف الأصعدة واستخدام كافة الوسائل الإعلامية لتوعية الأمة الإسلامية بضلالة الأفكار التي يستند إليها هؤلاء التكفيريون سواء أكان منها ما يتعلق بزيارة مراقد الأولياء والصالحين أو ما يتعلق بتكفير الطوائف الأخرى وإباحة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، معتبرا هذا الخط الفكري المنحرف يشكل هدماً لأسس مهمة بُنِيَ عليها الإسلام وتهديداً لوحدة النسيج الإسلامي للأمة الإسلامية التي أكدّ الإسلام على ضرورة بذل كل الجهود من اجل توحيدها ونشر الألفة والمحبة بينها واحترام المسلمين بعضهم للبعض الآخر مع التأكيد على حرمة دمائهم وأعراضهم وأموالهم" .
ومع حلول العام الدراسي الجديد أوصى ممثل المرجعية الدينية العليا الكوادر التربوية والتدريسية بضرورة استشعار مسؤولية الأمانة الشرعية والوطنية الملقاة على عاتقهم وذلك ببذل كل الجهود للارتقاء بالمستوى العلمي للطلبة والمكانة العلمية والوزن العلمي للعراق، معتبره أمانة في أعناقهم، مطالبا اياهم الالتزام بما تقتضيه الأخلاق المهنية للتعليم من بذل كل الجهود لتعليم الطلبة وتفهيمهم المادة العلمية ومتابعة مستواهم العلمي وعدم إلجائهم إلى الدروس الخصوصية.
واضاف " إننا نجد من الضروري اهتمام الكوادر التربوية ببناء منظومة للقيم والمبادئ الأخلاقية لدى الطالب خصوصاً في المراحل الأولى من الدراسة وتوجيه الطلبة نحو ضرورة الالتزام بالمعايير الدينية في حياتهم وتقويم السلوك لهم والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى الانحراف والفساد ".
واختتم الشيخ الكربلائي خطبته حول قضية شحة المياه قائلا " لقد ذكرت وسائل الإعلام عن إن الكثير من العوائل الساكنة في الأهوار بدأت بمغادرة مناطق سكنها بعد أن صار من الصعب توفير الرزق لها بسبب انخفاض مستوى المياه فيها فأصبح من الصعب توفير مصادر هذا الرزق من صيد الأسماك وتربية الماشية وغير ذلك، مشيرا انه بإزاء هذه المشكلة الجديدة لأبناء الشعب العراقي ندعو دول الجوار إلى تفهم الظروف الصعبة التي يمر بها هؤلاء المواطنون وان يكون لها موقف إنساني عاجل يتمثّل بالتعاون الجاد والعملي لتزويد العراق بما يحتاجه من المياه لحل هذه المشكلة وما هو قبلها من زيادة الملوحة في مياه شط العرب" .