
بقلم:حسن كاظم الفتال
أسأل الله أن يجعلكم من الصيام . وأحاول أن أتواصل معكم في هذا الشهر الكريم
وبالحقيقة ما عساي أن أقول سواء في حقيقة شهر رمضان أم في مسألة الصيام وقد أثرى السابقون للرحمة والغفران هذا الموضوع وليس لي إلا أن أُذكر ببعض الفواصل
وبداية أنقل رواية الإمام الصادق عليه السلام إذ ورد عنه عليه السلام أنه قال : قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : (لا تقولوا : رمضان ولكن قولوا : شهر رمضان، فإنّكم لا تدرون ما رمضان) . [فروع الكافي، ج4، ص69، ح1] .
وعن محمد بن إبراهيم عن الرضا عليه السلام في حديث قال: إن رمضان اسم من أسماء الله فلا يقال جاء وذهب واستقبل والشهر شهر الله .
وحتى حين ذكر في القرآن يوحي إلى ذلك إذ أن ذكره جاء ( شهرُ رمضانَ الذي أنزل القرآن ُ هدىً للناس وبينات من الهدى والفُرقان) ـ البقرة /185
إذن لا يجوز لنا أن نلفظ أسم هذا الشهر دون أن نسبقه باسم شهر أي شهر رمضان
والنص الوارد في مستدرك الوسائل وغيره يعضد هذا المعنى إذ يقول الميرزا النوري : عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال في جملة كلام له : ألا فاعلموا اليوم ليوم القيامة وأعدوا الزاد ليوم الجمع يوم التناد ، وتجنبوا المعاصي ، بتقوى الله يرجى الخلاص .، فإن من عرف حرمة رجب وشعبان ووصلها بشهر رمضان شهر الله الأعظم شهدت له الشهور يوم القيامة ، وكان رجب وشعبان وشهر رمضان شهود بتعظيمه لها ، وينادي منادٍ : يا رجب ويا شعبان ويا شهر رمضان ، كيف عمل هذا العبد فيكم ؟ كان في طاعة الله ؟ فيقول رجب وشعبان وشهر رمضان : يا ربنا ، ما تزود منا إلا استعانة على طاعتك ، واستعدادا لمواد فضلك ، ولقد تعرض بحمده لرضاك ، وطلب لطاقته محبتك ، فقال للملائكة الموكلين بهذه الشهور: ماذا تقولون في هذه الشهادة لهذا العبد ؟ فيقولون : يا ربنا صدق رجب وشعبان وشهر رمضان . في هذا النص يرد اسم رجب وشعبان دون أسم يسبقه شهر إلا شهر رمضان .
أمسكوا عن الشهوات
وهذا الشهر كما يعرف الكل هو شهر مبارك كريم كرمه الله وفضله على الشهور إذ أنه شهر الله . فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : شعبان شهري وشهر رمضان شهر الله فمن صام شهري كنت له شفيعا يوم القيامة ، ومن صام شهر الله آنس الله وحشته في قبره ويقول أحد العلماء : ومعنى نسبة شهر رمضان إلى الله تعالى : ظهور سلطانه في ذلك الشهر، والظهور التام إنما يكون في ذلك اليوم في الدار الآخرة، فيكون ذلك شهر رمضان قطعاً، ولذا اشتق من الرمضاء لاشتداد الحرارة وفي ذلك اليوم يمسك الإمساك التام عن المفطرات والشهوات، الراجعة إلى النفس والبدن .
إذن أيها الأعزة هذه حكمة الصيام وهذه الحكمة تحتاج لتفاصيل كثيرة لنصل على كنه معرفتها والوقوف على فضائلها وفوائدها للإنسان المسلم الذي أنعم الله عليه بأتم نعمه .
فعن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : (أصل الإسلام الصلاة، وفرعه الزكاة، وذروته الصيام، وسنامه الجهاد) وعنه صلى الله عليه وآله أنه قال : زكاة الأبدان الصيام وقال صلى الله عليه وآله : الصيام يسود وجه الشيطان .ويبدو أن فضل الصوم وأهميته على البشر به يزكي الإنسان ويطهر روحه ونفسه وجوارحه وذلك ما يوصله إلى مرحلة الملكوت لا يستطيع الشيطان أن ينال منه لذا يسود وجهه ويخيب ظنه في أن يغوي المؤمن الصائم . وإن مسألة طهارة الروح والبدن يشير له حديث رسول الله صلى الله عليه وآله مع اليهود الذين جاءوه ليسألوه عن الصيام إذ جاء في الإختصاص ص37 ومستدرك الوسائل ج7 / ص3 صلى الله عليه وآله 5وفي مباحث أخرى : وجاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله أعلمهم : لأي شيء افترض الله الصوم على أمتك بالنهار ثلاثين يوماً، فقال صلى الله عليه وآله : (إنَّ آدم لما أكل من الشجرة بقي في جوفه مقدار ثلاثين يوماً، فافترض على ذريته ثلاثين يوماً الجوع والعطش، والذي يأكلونه بالليل فهو تفضل من الله على خلقه، وكذلك كان لآدم عليه السلام ( ثلاثين يوماً كما على أمتي، ثم تلا هذه الآية : }كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{ ـ البقرة / 183 .
وجاء في روايات كثيرة فيما كتب مولانا الرضا عليه السلام لمحمد بن سنان : (عِلَّةُ الصَّوْمِ؛ لِعِرْفَانِ مَسِّ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، لِيَكُونَ ذَلِيلاً مُسْتَكِيناً، مَأْجُوراً مُحْتَسِباً صَابِراً، وَيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلاً لَهُ عَلَى شَدَائِدِ الْآخِرَةِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الِانْكِسَارِ لَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَاعِظاً لَهُ فِي الْعَاجِلِ، دَلِيلاً عَلَى الْآجِلِ، لِيَعْلَمَ شِدَّةَ مَبْلَغِ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ).
أسرار الصوم
في الصوم أسرار عظيمة لعل البعض منا أطلع على جزء يسير منها ولم يطلع الكثير عليها وخير ما عَرِفَ وعَرَّفَ أسرارها رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار عليهم السلام وعرفونا على بعضها بما تتحمله عقولنا وإن لحاظ عظم الصوم يظهر قول رسول الله صلى الله عليه وآله حين يقول : قال الله تعالى الصوم لي وأنا أجزي به . ويقول سيدنا ومولانا الإمام الصادق عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله : (الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنْ آفَاتِ الدُّنْيَا، وَحِجَابٌ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَإِذَا صُمْتَ فَانْوِ بِصَوْمِكَ كَفَّ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَقَطْعَ الْهِمَّةِ عَنْ خُطُوَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَنْزِلْ نَفْسَكَ مَنْزِلَةَ الْمَرْضَى، لَا تَشْتَهِي طَعَاماً وَلَا شَرَاباً، وَتَوَقَّعْ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ شِفَاءَكَ مِنْ مَرَضِ الذُّنُوبِ، وَطَهِّرْ بَاطِنَكَ مِنْ كُلِّ كَدَرٍ وَغَفْلَةٍ، وَظُلْمَةٍ يَقْطَعُكَ عَنْ مَعْنَى الْإِخْلَاصِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى)مصباح الشريعة
كثيرا ما نحاول أن نبتعد عن التكرار ولكن الواقع أحيانا يحتم علينا أن نكرر . وإذا اردنا أن نستجيب لفرض الواقع نقول : ما بات غريبا أو خفيا على أحد ولا يوجد فينا من لا يدرك بأن الصوم ليس صوم الإمساك .أي لا يعني أن نمسك عن الطعام فحسب بل هو صوم الجوارح
فالصوم يميت موارد النفس، وشهوة الطبع الحيواني ، وفيه صفاء القلب، وطهارة الجوارح، وعمارة الظاهر والباطن، والشكر على النعم، والإحسان إلى الفقراء، وزيادة التضرع، والخشوع والبكاء، وجعل الالتجاء إلى الله، وسبب انكسار الهمة وتخفيف الحساب، وتضعيف الحسنات، وفيه من الفوائد ما لا يحصى،
وحتى إذا كان من أجل الجوع والعطش فلابد أن في ذلك حكمة فمثلما أن للروح تربية وترويض فإن للجسد ايضا تربية وترويض وقد قال أحد العلماء العرفاء الفضلاء (إنَّ الله سبحانه كتب على المكلفين الصيام ليجوعوا، فتخف أجسادهم، وليعطشوا فتنشف أجسادهم، فإذا نشفت وخفت ذهب عنها الكسل ؛ المانع من العبادة، وكثرة النوم التي تدع الرجل فقيراً يوم القيامة( ) لقلة حسناته، لأنه يمنعه عن التهجد في الليل، ويقلل الرزق، فيكثر همه بتحصيل المعاش، فإذا صام وجاع قويت روحه؛ لأن الجوع إدام الروح، وذهبت الأمراض من بدنه؛ لأن أكثر الأمراض من الشبع، فلذا كانت المعدة بيت الداء .
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : (صوموا تصحوا) .
ومفهوم الصحة هنا أيضا يشتمل على حكمة ليس المقصود منها صحة الأبدان حسب وحتى حين يكون مرتبطا بصحة الأبدان فلتلك الصحة أثرا أيضا على القابيلة على مواصلة العبادة ومثلما ذكرت قبل قليل يقول الحكماء : وإذا صام العبد جفت الرطوبات التي هي علة النسيان والبلادة ، وقلة الفهم ، وعلة كثيرة من الأمراض، فإذا صام وجاع وعطش زاد فهمه وحفظه، وذهبت الرياح وسائر الأمراض من جسده، وذهب عنه الكسل في العبادة، وخف جسده لفعل الطاعات، وانكسرت نفسه عن الشهوات والخصال الذميمة؛ كالحسد والغضب والشهوة، والتكبر والبغي والعدوان، وطول الأمل، ونسيان الموت والآخرة، بل يكون دائماً ذاكراً للموت والحساب، والجنة والنار، والدار الآخرة، متجافياً عن دار الغرور وما فيها مما ليس لله وللدار الآخرة ، وكل ذلك وأمثاله نتيجة العطش والجوع ، لهذا قد اشار أهل البيت عليهم السلام إلى المعنى بقولهم (إن الشياطين تُقَيَّد وتُغَلّ في شهر رمضان) أي يقيدها توجه المؤمن وتقربه إلى الله ولايجوع ويعطش تقربا إلى الله إلا المؤمنون بصيامهم لذا يقول صلى الله عليه وآله :عبد الشهوة أذل من عبد الرق
ويقول صلى الله عليه وآله : (إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش).
وحين يكون ا الأمر هكذا وتهرب الشياطين من مقاربة المؤمنين فإنها تظل تلازم غيرهم ولاتقيد عنهم وقوله تعالى : ( أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ) ـ مريم / 83
ويبدو أن من هنا أنطلق قول رسول الله صلى الله عليه وآله (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ؛ حِينَ يُفْطِرُ، وَحِينَ يَلْقَى رَبَّهُ (عز وجل)، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ عِنْدَ اللَّهِ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ المسك ) ـ فقه الإمام الرضا عليه السلام أي لعدم وجود الشيطان الموجد للنتن والكدورة