
بقلم: الأستاذ حسن كاظم الفتال
البارقات تزف البدر للشهبِ *** تطوي ظلاما أذلَ الليلَ في الحقبِ
والناشطات أتت نشطا لهيبتها *** والصافنات تجول بعالمٍ رحب **
تسوقُها نشوةٌ من سحرِها فَلَتَت *** عِقالُها ما أتى كبواً لمُعتَصِبِ
النازعاتُ شقاءُ الدهرِ نازعها *** أفنت رجاهُ ونالت شارةَ الغَلَبِ
للدهرِ منقبةٌ طال السباتُ بها *** سهواً ففززها شوقٌ لمُرتَقِبِ
يا فرحةَ الله قد أهدت مباخرَها *** تلك السماءُ إلى جوالةِ السُحُبِ
تُهمي أريجاً تذرُ الريحُ نفحَتَه *** فيسفرُ المرتجى عن داء مُكتَئِبِ
يا زهرةً طيَّبَ التأريخَ منبتُها *** قارورةُ العطرِ إلا الطيبَ لم تهبِ
قد أزهرت بهجةُ الزهراءِ يانعة *** أغصانُ دوحتها بالبرعم العَجَبِ
ولى الدجى والمنايا تستهينُ به *** ولو تؤوبُ المنايا فهو لم يَؤُبِ
والبيدُ تلبسُ جلباباً بخضرتِها *** بزينةٍ تتقي من شرِ مُلتَهَبِ
الفجرُ خَضَّبَ برجَ الشمس فانتفضت *** تُسدي بنعمائها أمناً لمضطرب
طوبى لفجرٍ أتى إذ حقَّ موعدُه *** ينير درباً لمحزونٍ ومغتَرِبِ
من زمزمٍ قد أتى نضحا بمرشفه *** توضأت منه عزا اشرفُ التُرُبِ
نسجتُ من صلواتي ثوبَ معتمر *** حتى يُسجى على إحرامه تعبي
بدأت أعلم أن الليلَ مبتهجٌ *** يزَيِّنُ الدهرَ بالتيجانِ والرتب
إذ كان من شرِهِ يختار كالحةً *** تسوِّدُ الصفحاتِ البيضَ بالريبِ
قد هدَّأت روعةَ الماضين في أرقٍ *** سكناتُه واستباحت روعةَ النُوَبِ
وأغدقت من مزايا النورِ أفضلَها ** * فشعَ بين المنافي دون مُحتَجَبِ
خُضرُ الغصونِ تدلت من جدائلها *** لما القطوفُ دنت طوعا لمُنتخِبِ
من أيِّ سرٍ أتى هذا البشيرُ بها *** زغردن يا أمهاتُ البيضِ في الوثبِ
تلقى البتولُ حسينا يستضيءُ به *** قنديلُ آمالِها من لجة الحُجُبِ
ريحانةٌ جنةُ الفردوس مرتعُها *** من طيبها استنشقَ الإيحاءَ كلُ نبي
سموت فيها مُحِبا كيف أهجُرُها *** والحبُ ينداحُ في الشريانِ والعَصَبِ
يا وارثاً رسلا من ربها بعثت *** يا ناذرا دمه نوارا لكل أبي
أراك في صدفاتِ الكونِ برقَ سنا *** كم يشتهي الدُرُ لو تؤتيه بالنسبِ
قد جادلتني الثريا في مناورةٍ *** وأسفرت عن مداها نشوةَ العتبِ
لما هجرتُ سناها واعتصمت بمن *** صار الثريا إلى قلبي ومحتسَبي
يَشَفُ ظُلمةَ عمري إذ أفاق به *** وهجا ومذ كنت في مستَحدَثِِ الزَغَبِ
سألتُها هل سجايا نورِها كملت *** إلا به وهو منسوبٌ لخيرِ أبِ
وهل لها من سجايا جده نسبا *** فأطرقت رأسَها خجلى ولم تجبِ
قال الرسولُ وشرعُ الحقِّ قولتُه *** مني حسينُ كما الأنوارِ للشهبِ
هذا الحسينُ أضاءَ الكونَ منهجُه *** لو غابت الشمسُ حينا فهو لم يغبِ
ترتاب كلُ سيوفِ الأرضِ من دمِهِ *** دمٌ عن الدينِ يُجلي عتمةَ الكُرَبِ
قد راهنت شهوةُ الدنيا لتأسِرَه *** فعافَها لافظاً إغراءةَ الطَلَبِ
وداسَها وهو ماضٍ يستهينُ بها *** استنجدت فاستعاض التُربَ بالذهبِ
موروثَةٌ من أقاصي الدهرِ هيبَتَه *** أهدى لآدمَ من مستعظَمِ الحَسَبِ
سبطُ الأمينِ الذي من نورِهِ نُسِجَت *** آياتُ حقٍّ أراعت كلَ مغتَصِبِ
سل كربلا عنه كي تُنبِئْك عن ظفرٍ *** نالته أو شرفٍ من أرفعِ الرُتب
سلها فلولاه ما نالت فضائِلَها *** قد احتوت في ثراها سبطَ خيرِ نبي
ما ضمه القبرُ بل ضمته أفئدةٌ *** لو غاب عنها سيُصليها لظى النُوَبِ
وصار في أعينِ الأحبابِ مسكنُه *** نُقيهِ من غلظةِ الأجفان بالهُدُبِ
سل الدموعَ التي ما كنت أذرفها *** إلا على بُعده إذ هزني غضبي
لو ضاق فيك فضا الدنيا وضقت بها *** ذرعا وكدت لأن تهوي من التعب
أقصدْه فهو ملاذُ الحائرين وكم *** الكونُ أصغرُ مِن .. مِن صدرِ الرحب
الحنظلُ المرُ لو أغفى بقبضته *** لصار أطيبَ بل أحلى من الرُطبِ