رئيسيةاتصل بناEnglishالبث المباشرالزيارة بالإنابة
 






الصور

الشكاوى

الزيارة بالإنابة

البث المباشر


25 رجب 1430 | السبت 18 تموز 2009

السجن أحب إلى الإمام من المداهنة


بسم الله الرحمن الرحيم ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا ) صدق الله العلي العظيم

لقد مهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكيفية استمرار الخلافة من بعده ورسم لها الطريق المعبد بالتشريع وأرشد إليها من يود أن يتبع الهدى ويتخذ لطريق نجاته قبسا ليبعده عن الضلالة . وأوصى بالإقتداء بخلفائه قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى بل شدد على تعيينهم وخصهم بالتسمية .وقبل كل ذلك قد نصب يوم غدير خم أمير المؤمنين عليه السلام علي بن أبي طالب أمام الملأ .وكان ذلك بأمر من الله عز وجل والمبلغ جبرئيل عليه السلام . وقد كرس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكثير من وقته وتعددت أحاديثه في إبلاغه وركز في وصيته على طاعة خلفائه الأثني عشر الذين هم الأئمة المعصومونE والذين سماهم حتى بأسمائهم الشريفة.

ولكن لم يقتد أحد بمنهجه ولم يلتزم بوصيته بل لم يكتف الجميع بمخالفتها ، إنما ازدادوا ظلما وإثما وعدوانا وقسرا وتعسفا على الأئمة الأطهارE . وابتدأت المؤامرات تحاك منذ الساعات الأول لرحيله المقدس صلى الله عليه وآله وسلم .

واغتصبت الخلافة .. وراح يتناوب على اغتصابها كل من ملك المال والقوة والسوط .. ومن هوان الدنيا وسخرية القدر أن يستلم الأمويون زمام الأمور وعلى راس خلافتهم معاوية ويزيد ابنه ثم يقدم بنو العباس بقبضة من نار وحديد فينتزعون الملك من غاصبيه ليغتصبوه هم إذ أنهم أحق بالإغتصاب . وأحق بالوقوف يوم الحساب أمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يسألهم عما آتو ذا القربى منه 0 (ثمَّ لَتُسئَلُنَّ يومئذ عن النعيم )-التكاثر/8 وليس لهم من جواب ولا وسام لهم إلا الخزي والعار.

ومثلما شدد بنو العباس قبضتهم على زمام الأمور في ما سموه خلافة شددوا أيضا قبضتهم الحديدية على كل جوانب الحياة مثلهم مثل كل طغاة العصور وبدأوا يعيثون بالأرض فسادا حتى قال فيهم الشاعر :

دعتهم ذئاب من أمية وانتحت *** عليهم دراكا أزمة وسنون

وعاثت بنو العباس في الدين عيثة *** تحكم فيهم ظالم وظنين

وسموا رشيدا ليس فيهم لرشده *** وما ذاك مأمون وذاك أمين

فما قبلت بالرشد منهم رعاية *** ولا لمولي بالأمانة دين

رشيدهم غاوٍ وطفلاه بعده *** لهذا رزايا دون ذاك مجون

الخلافة المغتصبة

وبعد أن اغتصب بنو العباس الخلافة من مغتصبيها الذين سبقوهم وهم بنو أمية .مسكوا زمامها. وكان أولهم سفاحهم . فقد اتخذوا سياسة قاسية فاقت بكثير قساوة سابقيهم وقد زها لهم الملك وازدهر عنفوانه وازدادوا بطشا بالناس وعداء لأهل البيتE وظلما واضطهادا وعنفا لأتباعهم وراحوا يختلقون الفتن ويشجعون عليها ويدعمونها . وبلغ طغيانهم مبلغا حتى قال فيهم شاعر من الشعراء المناصرين لأهل بيت النبوةE الذين تصدوا لحكمهم الجائر:

فليت ظلم بني مروان دام لنا *** وليت عدل بني العباس في الناس

تالله ما فعلت أمية فيهم *** معشار ما فعلت بنو العباس

ولادة الرحمة

ولد الإمام موسى بن جعفر عليه السلام بالأبواء وهو موضع بين مكة والمدينة المنورة سنة مائة وثمانٍ وثمانين للهجرة . وكان مقامه مع أبيهعليهما السلام أربع عشرة سنة وقام بعد أبيه خمسا وثلاثين سنة وأمه حميدة البربرية ويقال الأندلسية ، أم ولد وهي أم اسحاق وفاطمة .

روي عن المجلسي في البحار: عن أبي عبد الله عليه السلام أنهم حكوا عنه : لما ولد موسى بن جعفر عليه السلام دخل أبو عبد الله عليه السلام على حميدة البربرية أم موسى عليه السلام فقال لها: يا حميدة بخ بخ حل الملك في بيتك . وقد أراد بالملك الإمامة على الخلق وفرض الطاعة على البشر وملك الأمر والنهي . وهذا ما تشير له الآية الكريمة ( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) –سورة النساء.. وإنما أراد ملك الدين والرئاسة على العالمين .

دور الإمام عليه السلام في نشر الفكر الإسلامي

وبعد أن سطا العباسيون على الحكم وأحكموا قبضتهم على السلطة اشتد طغيانهم وعم التدهور أغلب ميادين الحياة وراحت تتسلل الأفكار الخاطئة والمناوئة لفكر ومنهج أهل بيت الرسالة صلوات الله عليهم .

وذلك بتخطيط محكم من قبل من يسمون بالخلفاء والأمراء إذ شاركوا مشاركة فعالة في تشويه الفكر وعكس الصورة لكل حقيقة ثابتة وضعها القرآن الكريم من خلال مبلغ رسالة السماء رسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحتى أوجدوا بعض البدع وسعوا لوضع بعض الأحاديث إلى جانب إهمال الأحكام الشرعية والفقهية أو تزويرها وتزييف بعض الحقائق ودس السم في العسل وذلك بالاستعانة بوعاظ السلاطين الذين يتواجدون في كل زمان ومكان وجهدوا وبالغوا في غيهم من أجل أن يخفت أو يتضاءل إشعاع شعلة العقيدة المحمدية والتي حرسها الله ورسوله وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين . (يريدون أن يُطفِئُوا نورَ اللهِ بأفواهِهِم ويأبى اللهُ إلا أن يُتِمَّ نورَه ولو كَرِهَ الكافرون ) – التوبة/32

حتى أصبحت الحاجة ماسة للتصدى

وكان لابد للإمام الكاظم عليه السلام الذي عاش في أحرج فترة أن ينهض ويتصدى للظلم ولمن يسعى لنشر الضلالة والجهالة ويصحح المسارات عن طريق نشر الفكر الإسلامي الجوهري والوعي الحر الحقيقي وحتى ولو كلفه ذلك حياته سلام الله عليه .

استلام الإمام زمام الأمور

لقد كان الناس يأتون الأمام الصادق عليه السلام فيستفتونه فيبعث بهم إلى ولده موسى عليه السلام ويبدو أنه كان يعده للإمامة وهو لها ، إذ أنه إمام معصوم لكن ليعلم الناس بذلك .

حتى انتقل عليه السلام إلى الرفيق الأعلى واستلم زمام الأمور للإمامة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام وتابع بمواصلة دوره الفعلي في إكمال الرسالة المحمدية . إذ كان عليه السلام يلتقي بأصحابة وتابعيه وخواصه ويوجههم وينقل إليهم علوم ومعارف آبائه صلوات الله وسلامه عليهم . واستمر اتباع أهل البيت عليهم السلام على ممارسة السلوك نفسه الذي كان يسلكونه مع أبيه عليه السلام وحولوا حقوقهم وأخماسهم إلى لإمام موسى بن جعفر عليه السلام وراحوا يستفتون لديه لينهلوا العلم من منابعه الصحيحة العذبة الصافية . وقد التف الناس حول الإمام عليه السلام الذي ورث هيبته ووقاره وسؤدده من آبائه وأجداده وهو ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخليفته الذي اوصى به وسماه كما سمى آباءه . وبما أن الطغاة والجبابرة لا يروق لهم أن يلتف الناس حول غيرهم مهما كان مقام ومكانة وشرف ذلك الملتف حوله . ويبدو أن هذا دافع مهم من الدواعي التي دفعت اللا رشيد في أن يحاصر الإمام عليه السلام ويضيق عليه .

وأخذت تمتد رقعة الإلتفاف حول الإمام عليه السلام حتى أبلغ اللارشيد بذلك فاستشعر الخطر الذي سيحدق بملكه وحسب أن ملكه وسلطانه قد آل إلى الإنهيار وإن سلطانه سيتزعزع وعرشه سيهد إذ بدأ النذير لذهاب ملكه وزوال سلطانه وذلك بعد أن وشي له بالإمام عليه السلام وبلغه خبره فلم يسترح إلا عندما ألقى بابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسجن ليحد من حركته ويحجب عنه الناس ولا يرى أحدا ولا أحد يراه . وإنه قال إن افضت إليه الخلافة زالت دولتي ودولة ولدي .

سجن الأولياء ابتلاء

بما أن السجن أسس منذ القدم إنما ينبغي أن لا يتخذ سبيلا أو موطنا يراد به الإنتفام من الخصوم أو معاقبتهم معاقبة لأخذ الثأر أو من أجل الإقصاء . ولعله يمكن أن يكون موقعا إصلاحيا أو للتأديب أو ما شاكل ذلك من أجل أن يخرج المعاقب منه تائبا نادما على ارتكاب الجرم أو الذنب أو الخطيئة .

لذا قد روي عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي عليه السلام ، لا يحبس في السجن إلا ثلاثة ، الغاصب ومن أكل مال اليتيم ، ومن أؤتمن على أمانة فذهب بها .

وللسجن تأثير سلبي على نفسية الفرد تعكسه أحيانا تصرفاته داخل السجن كان أم بعد الخروج منه . إذ انه مكان ضيق معزول عن العالم الخارجي بعيدا عن معرفة ما يجري من أحداث ومتغيرات . والسجن اسوء موطن يمكن أن يقضي الإنسان أيامه فيه .

وقد يكون السجن أحيانا للأولياء ابتلاء إذ لا يدخلون السجن إلا بأمر من الطغاة والجبابرة . وسجن يوسف عليه السلام خير دليل وشاهد على ذلك . فإنه آثر أن يطيق وحشة السجن التي لا تطاق وأن يتحمل ظلمته وصعوبة العيش فيه على ان يرتكب معصية أو فاحشة . (قال ربِّ السجنُ أَحَبُّ إليَ مما يَدْعُونَني إليه )-يوسف /33

دخل الإمام عليه السلام السجن

يروى أن اللارشيد حمل الإمام موسى بن جعفر عليه السلام لعشر ليالٍ بقين من شوال سنة مائة وتسع وسبعين . فقد قدم اللارشيد المدينة منصرفا من عمرة شهر رمضان ثم شخص إلى الحج وحمله معه ، ثم انصرف على طريق البصرة فحبسه عند السندي بن شاهك حتى توفي في حبسه ببغداد ودفن في مقابر قريش في بقعة كان قبل وفاته قد ابتاعها لنفسه .

وروي أنه لما حُمِل إلى بغداد حبسه الرشيد عند الفضل بن الربيع فبقي عنده مدة طويلة، وأراد الرشيد على شيء فأمره فابى ، فكتب بتسليمه عليه السلام إلى الفضل بن يحيى فتسلمه منه ، وأراد ذلك منه فلم يفعل، وبلغه أنه عنده في رفاهية وسعة، وهو حينئذ بالرقة ، فكتب إلى العباس بن محمد والسندي بن شاهك في ذلك على يد مسرور الخادم ، فدعا العباس بسياط وامر بالفضل فجرده وضربه السندي بين يديه مائة سوط ، وكتب مسرور بالخبر إلى الرشيد ، فأمر بتسليم موسى عليه السلام إلى السندي بن شاهك ، فلم يزل سلام الله عليه ينقل من سجن إلى سجن حتى نقل إلى حبس السندي بن شاهك الملعون.

لم يثنِ السجن الإمام عليه السلام ولم يحد من عزيمته ولم يكن حاجبا بينه وبين نشر رسالته وإيصال فكره وإمتداده . بل كان يعلم علم اليقين بأنه يرسم الطريق للراغب بالذهاب إلى الصراط المستقيم لذا قد خاطب اللا رشيد في رسالة بعثها له من داخل سجنه قائلا:

إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء .حتى نقضي جميعا إلى يوم ليس له انقضاء ويخسر فيه المبطلون.

في دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري:

قال: قال أبو جعفر : حدثنا عبد الله بن محمد البلوي ، قال: حدثنا غالب ابن مرة ومحمد بن غالب ،قالا: كنا في حبس الرشيد ، فأدخل موسى بن جعفر عليه السلام فانبع الله له عينا وأنبت شجرة ، فكان منهما يأكل ويشرب ونهنيه ، وكان إذا دخل بعض أصحاب الرشيد غابت حتى لا ترى .

ويبدو أن لتنقله من سجن إلى سجن كان له الأثر الكبير ايضا في نشر الفكر وأصبح الأمر عكس ما أراده أعداؤه وحديث الجارية معروف تلك التي بعثها الرشيد لكي تغري الإمام بمراودتها عن نفسها لعله يريده بابا للتشهير بالإمام عليه السلام لكن الإمام صنع من الجارية عابدة ناسكة زاهدة . وذلك بقوة شخصيته وبصدق تقواه وورعه وقد أدى مهام الإمامة على أحسن وجه بقيادة ذكية وبحكمة وحنكة ومن داخل سجنه

سجايا ومعجزات الإمام عليه السلام

كان عليه السلام رغم شدة زهده وورعه وتقواه المستمد من تقوى آبائه وأجداده عليهم السلام ورغم طلاقه للدنيا التي تشبث بزينتها وزخرفها غيره ورغم انشغاله بالعبادة ، ولكنه لم يكن منزويا في صومعة بعيدا عن الناس وخصوصا الفقراء منهم مثله مثل جده كافل اليتامى والأرامل أمير المؤمنين عليه السلام .

كان يحمل إلى المساكين والأيتام والأرامل الأزقة والتمور ويوصل إليهم العين والورق . وكانت صراره عليه السلام مثلا في العطاء .فإنه كان يصل بثلمائة ونيف .وكان أحسن الناس صوتا بالقرآن وكان يحدر إذا قرأ ويبكي السامعون لقراءته .

وكان يسمى مكلم الأسد وسبب ذلك أن علي بن حمزة البطاني قال: صحبت موسى عليه السلام إلى ضيعة له ، فلما صرنا في بعض الطريق اعترضنا أسد ولم يكترث به موسى عليه السلام فرأيت الأسد تذلل له عليه السلام وجعل يهمهم فوقف موسى عليه السلام ووضع الأسد يده على كفل بغلته فحول عليه السلام وجهه إلى القبلة ودعا ثم أومأ إلى الأسد بيده أن أمضِ فهمهم الأسد وانصرف . فقلت لما خرجنا ما شأن هذا الأسد .؟ قال: إنه شكا إلي عسر ولادة لبوته وسألني أن أدعو ليفرج الله عنها ففعلت وألقي في روعي إنها ولدت ذكرا فخبرته فقال: لا سلط الله عليك ولا ذريتك ولا على أحد من شيعتك أسدا ، فقلت آمين .

كناه وألقابه عليه السلام

كان عليه السلام يكنى أبا الحسن ، فلما ولد الرضا عليه السلام ترك كنيته وكان يكنى أبا إبراهيم وأبا علي .

وكان يعرف بالعبد الصالح وينعت أيضا بالكاظم ..الكهف الحصين ..قوّام آل محمد ..نظام أهل البيت عليهم السلام .. نور أهل بيت الوحي وراهب بني هاشم .

وكان يقال له أعبد أهل زمانه ..أسخى العرب ..أفقه الثقلين.. منقذ مفتقد الفقراء ..مطعم المساكين .. وكان الناس يسمونه زين المجتهدين وحليف كتاب الله. لقبه الله في اللوح بالمنتخب . وقد سمي بالكاظم لما كظمه من الغيظ واحتمل من الأذى وصبر عليه من فعل الظالمين به وسقوه السم مرارا حتى مضى عليه السلام في حبسهم ووثاقهم

وروي أن يحيى بن خالد سمه في رطب وريحان أرسل بهما إليه بامر الرشيد . اللهم العن أول ظالم وآخر ظالم ممن ظلم آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين.

بقلم: الأستاذ حسن الفتال

 
 


إعلام العتبة الحسينية المقدسة | www.imamhussain.org