
بقلم: الأستاذ حسن كاظم الفتال
كل منا يدرك تمام الإدراك وفي كل زمان ومكان بأن العقيدة كثيراً ما تحتاج إلى دفاع صلب وتضحية وربما تتنوع وتختلف أساليب وعناصر التضحية والفداء ، ولم يقتصر الدفاع والتضحية على فئة معينة أو دين أو مذهب معين بل إنه ظاهرة يشترك فيها كل الناس على مختلف عقائدهم.
وبعيدا عن الفساد والصلاح وبغض النظر عن المقارنة وبعيدا عما نراه من فساد بعض العقائد وصلاح بعضها الآخر وبعيدا عن المقارنة بين قسم منها والتي لو وضع لها مقياس مقارنة لرجحت كفتها وخفقت كفة القسم الآخر منها رغم أن معتنقي وحاملي هذه العقائد يعدون اعتقادهم هو الأصح بل يجزمون أحيانا بأنهم الأصدق والأكثر عدلاً في عقيدتهم.
وكل يدعي بالصدق وصلا *** ويشكو الحقُ بعد الصادقينا
ورغم أن هنالك عقائد فاسدة وواضحة كل الوضوح في فسادها لدى العيان ولكن حاملوها دائما يكونوا على استعداد للتضحية من أجل عقيدتهم .
ونحن حين نؤكد على مصداقية عقيدتنا إنما نستند على ركائز عديدة رصينة تجعلنا نقف بثقة وطمأنينة وبكل قوة وصلابة وشجاعة ندافع عن هذه العقيدة السمحاء بما يليق بها.
وإن من الركائز الأولى والقوية والمهمة ارتباطها بسبط الرسول صلى الله عليه وآله وسيد شباب أهل الجنة ومصباح الهدى وسفينة النجاة الحسين بن علي عليه السلام الذي ضحى بكل ما يملك من غال ونفيس من أجل نصرة دين الله.
وهذا الإرتباط الروحي الصميمي إنما يمنحنا القدرة على الدفاع عن العقيدة أولا ويؤيد صحة ومصداقية عقيدتنا ثانيا، ويمنحنا الأحقية في أن نتشرف بأولوية لا يسبقنا إليها غيرنا.
العقيدة والمؤسسات
لقد اعتمد العالم في ثقافته وبناء حضارته إعتمادا كليا على المؤسسات والتجمعات التي تسابقت الدول في تأسيسها، لإنماء عقلية الفرد وصقلها واستمالته إلى ما تحب أن يميل إليه لقد اختلفت هذه المؤسسات في تكوينها وتنوعها ومسمياتها وتخصصاتها وأهدافها وما يراد منها من تحقيق الأهداف المنشودة.
وقد ساهمت مساهمة فعالة وحقيقية ولعبت دورا فاعلا ومؤثرا في إرساء قواعد الثقافة في مجالات الحياة كافة، السياسية، الإقتصادية، الإجتماعية، وساعدت هذه المؤسسات على إرساء قواعد متينة ورصينة بنت عليها المجتمعات عقائدها .
بما أن للمؤسسات أهمية قصوى فقد كرس علماؤنا في دعوتهم على استمرار إقامة الشعائر الحسينية والإلتزام بها بالمواضبة على إحيائها وعدم التخلي عنها ويفهم من ذلك إنه لم ياتِ من فراغ أو أنه مجرد دعوة عاطفية أو انحياز لمصلحة أو صيحة عصبية أو غيرها، بل هي دعوة مخلصة لبناء مجتمع راقٍ تزينه الفضيلة ، وبما أن أهم معالم الشعائر الحسينية وأبرزها هو المجلس الحسيني فيحق لنا أن نعد هذا المجلس مؤسسة ثقافية واجتماعية إنسانية وغيرها، حيث يجتمع فيه عدد من الناس لا يمكن أن يجتمعوا في مكان آخر ، وإن مواصلة تشكيل هذه المؤسسات يسفر عن إيجاد حصن كبير رصين تتحصن به الأمة فتتقي شر الهجمات والعواصف التي تقدم من نفثات الحساد لتزعزع كيان الأمة فتنحرف عن مسارها لا سمح الله .
من هنا يأتي اختلاف صيغ اهتمامنا وتميزه غير العادي لاستقبال شهر محرم الحرام ، إذ انه موسم تشكيل المؤسسات.
وعندما تقام المجالس يصبح كل شارع وكل مسجد وحتى كل بيت من بيوتنا مؤسسة ، وهذا ما يفتقد إليه سوانا ممن لايدرك هذا المعنى ولا يملك شبيها له، لذلك ثمة قسٍ مسيحي في معرض حديثه مع أحدعلماء الشيعة الكبار يخاطبه قائلا :( أنتم لديكم ثلاث أمور مهمة وربما لا تدركون أهميتها وهي – مزارات الأئمة وأولادهم وذراريهم وقضية سيد الشهداء.
حين يلتفت هذا القس إلى هذا الأمر المهم فحريٌ بنا أن نكون سباقين في إلتفاتنا إليه وقبل غيرنا.
عطاء المجلس الحسيني وفيوضاته
لقد أصبحت آثار إقامة المجلس الحسيني واضحة أكثر وضوحا من شروق الشمس ،وبارزة كل البروز للعيان وأتت نتائجه أكلها مما دفع الكثير من الناس أن يهتموا اهتماما بالغا ويصروا إصرارا شديدا على إقامة المجلس.
وقد اتخذ البعض من المجلس باباًَ واسعا لطلب الأجر الثواب واستحصال البركة التي عمت وشملت الكثير من المجتمعات.
كما إن المجلس الذي راح يضم مجاميع كثيرة أصبح مناسبة وفرصة للإجتماع والإشتراك بالدعاء إلى الله للتوسل باسم الحسين عليه السلام لقضاء الحوائج. وقد أثبتت الوقائع وبشكل قطعي بالإضافة إلى أنها مناسبة تدر البركات وتفيض بالخيرات على من ينضم إلى هذه المجاميع .
وإن الحاصل والملفت للنظر إن هذا التوجه والتفكير الذي هو تفكير صائب لم ينحصر على فئة معينة أو على طبقة محددة أو على الناس البسطاء العاديين ولم يكن تصرفا هامشيا أو عفويا عابراً بقدر ما انه امتد ليشمل جمهورا واسعا وكبيرا من المثقفين والسياسيين وغيرهم ، وهذا ما لمسه الجميع بيقين تام .
فلو تجاوزنا ذكرنا لأحداث كثيرة ولشواهد ودلائل أكثر فيحق لنا أن نكتفي بالوقوف عند محطة صغيرة أو شاهد واحد على سبيل المثال وليس الحصر، وهو موقف (أنديرا غاندي) التي شغلت منصب رئيس وزراء الهند من عام 1966إلى عام 1977م .
فرغم إن هذه المرأة التي كانت تترأس ( حزب المؤتمر) في الهند وتدين بغير ديننا وتنتمي إلى غير ملتنا ورغم بعد المسافة بحساب الأميال وبالحسابات الجغرافية وحساب الزمن التي تفصلها عن الإمام الحسين عليه السلام لكن يبدو أنها كانت تعيش على مقربة تامة من القضية الحسينية روحيا وعقليا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا ،إذ كانت تقيم المجالس الحسينية ويقول أحد الخطباء المعروفين من الذين كانوا يحيون مجالس التعزية في الهند في رواية له أن (أنديرا غاندي) كانت تحضر المجلس وعندما يتعرض هذا الخطيب إلى مصيبة الإمام الحسين عليه السلام فكانت تغطي وجهها بشالها والذي كانت ترتديه على رأسها وتجهش بالبكاء .
وحين واجهت تهمة الخيانة العظمى بعد خسارة حزبها الإنتخابات النيابية نذرت أن تقيم مجلسا للحسين عليه السلام إذا استطاعت التخلص من التهمة الموجهة إليها وبالفعل نجحت في تخطي هذه العقبة بفضل إقامة مجلس الحسين عليه السلام .
المجلس مدرسة أخلاقية كبرى
لذا نرى أن المدن التي توجد فيها مزارات وأماكن مقدسة تختلف فيها كل الأجواء والطقوس وممارستها وحتى العلاقات الإنسانية والإجتماعية والممارسات اليومية في التعامل الإجتماعي وبما أننا أعددنا المجلس هو أكبر مؤسسة وقد سلمنا لذلك فإن المدن التي تتوسع فيها مجالات إحياء الشعائر الحسينية عادة نراها تتميز تميزا واضحا تختلف عن سواها في الثقافة ودماثة الخلق في العلاقات الإجتماعية وتعاملاتها .لذلك يشار دائما إلى كربلاء المقدسة إنها أكبر مركز في العالم يضم عددا من المؤسسات.
إذ أن المجالس التي تقام في كربلاء تكاد لا تنقطع أبداً على مدى أيام السنة وربما يصل عدد المجالس المقامة يوميا إلى مائة مجلس في اليوم الواحد .
من هنا يتبين سبب تميز الحديث عن كربلاء وعن أهلها وممارساتهم وأفكارهم، إذ أن الأرض الخصبة يسهل فيها الزراعة ويكون ما تثمر يعجب الزراع أكثر من سواها فتوضع محفزات لتصديره.
وكربلاء أرض خصبة لغرس الأفكار الإيمانية الصادقة.
لماذا الإستنكار
إن بعض الجهّال لكل الحقائق والغافلين عن الوقائع التاريخية واللاهين والساهين عن معانيها اؤلئك الذين تجردوا من كل ارتباط تاريخي إذ لا تربطهم أية صلة بقوة وصلابة الجذور الممتدة إلى أعماق الماضي ولم يتابعوا المراحل التاريخية ولم يكونوا أية علاقة مع الرموز التاريخية المشرفة، لذلك افتقدوا لكل وسائل الإتصال بالموروث العقائدي التاريخي الذي يرتقي به المرء ليستقر إلى قمة المجد الحضاري .
إن تجردهم من عناصر الإرتباط كافة وإفلاسهم من كل ما يشرف المرء دفعهم لأن يتوغلوا في ممرات الحقد والضغينة ليفتشوا في ظلمات الخيبة عن فجوات يمرروا من خلالها مآربهم فاتخذوا من ممارستنا للشعائر الحسينية وإقامة المجالس ثغرة ليعيبوا على من يمارس مثل هذه الشعائر المشرفة ممارستها بوصفها بدعة أو أنها خرافة أو ما شابه من إدعاءات باطلة .
وصية الإمام الصادق عليه السلام في إحياء الأمر
ويبدو أن إقامة المجلس بالإضافة إلى فيوضاته وعطائه فهو أيضا نتيجة لقول الإمام الصادق عليه السلام إذ يقول إحيوا أمرنا ،رحم الله من أحيا أمرنا والرحمة هنا نزول الفيض والخير والبركة واستجابة الدعاء.
وعندما يقول الإمام الصادق عليه السلام إحيوا أمرنا يتمحور إحياء الأمر في محاور كثيرة منها مثلا:
مثلما قلنا سلفا بأن إقامة المجلس هي فرصة للإجتماع لرفع الأكف بالدعاء بتداخل الأصوات وامتزاجها مع بعضها وجعلها صوتا واحدا فهو أيضا مناسبة للتواصل في إقتراب البعض من البعض الآخر وازدياد التلاحم والتوادد والتراحم بين الأحبة .
هذا التجمع يحفز الناس على التعرف على سيِّر أهل البيت عليه السلام وفضائلهم وفيوضاته الإلهية .
ثم ان ذلك ما يقوي لحمة وشائج الروابط معهم فهم حبل الله المتين( واعتصموا بحبل الله ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم ) آل عمران133 وحين تكون هذه الوشائج قوية ورصينة ومتينة فلا يمكن للمرء إلا أن يتبع المنهج الذي شرعه أهل البيتوالذي هو المنهج الإلهي .وبذلك سيواصل مسيرته الحياتية والعقائدية بأمن وأمان واستقرار ،إذ أنهم الباب الواسع الذي يمكن أن يلج منه المرء إلى عالم النجاة .
ومن أهم المكاسب التي تكتسب من ذاك هو استلهام الدروس والعبر حيث يقول الإمام الصادق عليه السلام (إن الحسين عليه السلام عِبرة وعَبرة) وسوف يتذاكر المجتمعون مواقف أهل البيت عليهم السلام وصبرهم وتحملهم ومعاناتهم والمواقف البطولية الجهادية الرائعة التي جسدوها جميعهم في مقارعة الظلم والظالمين وكل الطغاة والدفاع عن المظلومين ونصرتهم، ومثل ذاك طريقة العبادة والتقرب إلى الله عز وجل.
كما أن إحياء الذكر هو إحياء القلب وتقوية البصيرة إذ سيكون المؤمن ذا بصيرة ويحيا بوعي تام عكس من يحيط به الجهل ولا يعلم شيئا يمضي كمن يقطع طريقا تحيطه الرياض النظرة والجنائن لكنه لا يرى منها شيئا لأنه أعمى ويقول عز من قائل ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ) ـ طه / 124
ألم يكن ذكرهم عليهم السلام يرتبط ارتباطا صميميا بذكر الله عز وجل ألم تكن أنوارهم من نور الله بل وحتى أسماءهم من أسماء الله سبحانه وتعالى ؟ .
القرض الحسيني زكات الحب
ربما تحتاج إقامة الشعائر الحسينية أحيانا إلى مقومات معينة وهي محدودة جداً ، يمكن توفرها سواء كانت معنوية أو مادية أو حتى نفسية . ولكن فائدة المجلس والإنتفاع منه وكل مردوداته أكثر بكثير من إحتياجاته . ومن مستلزمات إقامة الشعائر ( الأموال) يقول سبحانه وتعالى ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) سورة البقرة/ 245 .
مثلما هنالك زكاة لكل شيء فإن لحب الحسين عليه السلام زكاة أيضا. ولكن هذه الزكاة تشتمل على فروع كثيرة ،ومن ضمن ما تشتمل المشاركة في الأموال . إذ أن قضية النهضة الحسينية ترتبط إرتباطا وثيقا بالشرائع الإلهية والمساهمة فيها تعني نصرة الحق التي هي نصرة كلمة الله عز وجل والتي نتيجتها نيل مرضاة الله وإن من يبتغي مرضاة الله فعليه أن لايبخل بأمواله التي بالنتيجة هي لله ( الملك لله) وقد قال عز وجل: (ومثل الذين ينفقون أموالهم إبتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل حبة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين )سورة البقرة265 ولقد أثبتت التجارب بأن المساهمة في الأموال في هذه القضية لا ينوبها إلا البركة ، والشواهد كثيرة والقصص في هذا المجال يحفظ منها الناس الكثير .
يروى أن جماعة من المؤمنين عزموا على بناء (حسينية ) فعرضوا الفكرة على أحد التجار وحيث كان المبلغ كبيرا جدا تهيبوا من ذكره لفظاً فكتبوه على ورقة فمسك الورقة وقال إنني لم أضع في حياتي نظارة على عيني في قضية سيد الشهداء عليه السلام ،ودفع المبلغ بامتنان، وبعد أن توفي هذا التاجر رآه أحد الثقاة المؤمنين فسأله عن حاله في العالم الآخر. فأجاب قائلا: مثلما لم أكن أستعمل النظارات في قضية سيد الشهداء عليه السلام أيضا عاملوني بالكيفية نفسها ولم يدققوا معي في الحساب.
الخدمة الحسينية فخر وشرف
إذن هذا الدفع في الدنيا يدفع عنه في الآخرة .
هذا العامل دفع الكثير من الناس أن يحرص حرصا شديدا على أن يساهم مساهمة فعالة في خدمة القضية الحسينية بشتى أصنافها .
إن ميادين الخدمة الحسينية كثيرة جدا لمن يود أن يجول فيها وربما إتخذ البعض هذه الخدمة أشبه بالمهنة، ولا بأس في ذلك، ( مثلما يحرص الأبوين على أن يتخرج أبناؤهما ويعمل كل منهم في ميدان معين من الميادين الوظيفية أو حتى يمارس بعض الأعمال فلا مانع أن يتخصص أحدهم للعمل في خدمة سيد الشهداء عليه السلام.
ولقد لمسنا ذلك في الكثير ممن تفرغ تفرغا تاما للخدمة الحسينية، ويبدو أن هذا ما لايناله إلا ذو حظٍ عظيم.
فرغم أن هذه المساهمة تساعد على ديمومة إحياء الشعائر الحسينية لكنها تمنح المساهم فيها شرفا وفخرا وعلو ومجدا .