

يقاس تقدم الشعوب ورقيها بما تنتجه من الكتاب، وبعدد الذين يقرؤون هذه الكتب والدقائق التي يستهلكونها يوميا في قراءتها. كما ينطبق ذلك على الشعوب المتخلفة بشكل معاكس، فكلما زاد انتاج الكتاب والكتّاب والقارئين زاد الانتاج الاقتصادي وتطور المجتمع تكنولوجيا وعلميا وثقافيا واجتماعيا، وذلك لما للكتاب من اهمية كبيرة في جميع المجتمعات، حيث انه يتربع عرش التواصل الثقافي قبل وبعد اختراع الطباعة. إلاّ ان الكتاب العراقي عانى من الغربة والتغرب والهجرة القسرية منذ زمن طويل، حاله كحال الإنسان المثقف العراقي على وجه التحديد، الذي ظل يعاني من هذه الأمراض دونما علاج شاف وناجع.
الا انه بعد سقوط النظام الديكتاتوري استعاد الكتاب في العراق عافيته، وتنفس نسيم الحرية، وبدء يتجول في جميع الأروقة والدكاكين، دون اي قيد او شرط. وذلك بفضل المساعي الخيرة للمؤسسات ودور النشر والمطابع والجهات الرسمية والغير الرسمية التي تهتم بالكتاب والثقافة العراقية .
وتحت هذا المنطلق اقيم على ارض مجمع الكليات التابع لجامعة البصرة معرضا للكتاب حمل شعار (البصرة عاصمة الثقافة العراقية لعام 2009) باشراف مؤسسة (شهيد المحراب) ورعاية مباشرة من قبل مجلس محافظة البصرة وبالتعاون مع جامعة البصرة، وسمي بـ ( معرض المصطفى الدولي الثاني للكتاب الشامل) للفترة من 1-11/6/2009 بمشاركة دور النشر العراقية والعربية والأجنبية.
وللاطلاع على اهم الجوانب التي ضمها معرض المصطفى الدولي للكتاب الشامل كانت لنا وقفة مع مسؤول اللجنة التحضيرية للمعرض الشيخ ضياء العبادي الذي اشار قائلا ان " المعرض الذي شارك فيه اكثر من 140 دارا للنشر و(120000) عنوانا شملت (5) ملايين كتاب جاء لترسيخ اواصر التواصل والتلاقح بين الامم والشعوب في مجال الثقافة والعلم، وانه رسالة محبة الى جميع شعوب" .
واضاف العبادي ان " اللجنة التحضيرية للمعرض سعت الى استقطاب الجميع بمختلف طوائفهم واديانهم واعرافهم في هذا المعرض. حيث سعت الى استضافة معارض العتبات المقدسة الى جانب معارض مجلس كنائس البصرة ". مبينا بانه " قد زاد المعرض تبركا وتشرفا مشاركة العتبات المقدسة في العراق. كالعتبة العلوية المقدسة والعتبة الحسينية المقدسة والعتبة العباسية المقدسة، حيث ساهمت جميعها في إنجاح هذا المعرض، الى جانب مشاركة جميع المذاهب الاسلامية والطوائف غير الاسلامية، ليبعث رسالة الى جميع المعمورة بأن العراقيين مصممين على بناء العراق الجديد بهذه المكونات والطوائف ".
وتابع العبادي حديثه ان " هذا العرس او الكرفنال الثقافي تشهده محافظة البصرة، باعتبارها عاصمة الثقافة لعام 2009 وقد شهد المعرض اقبالاً واسعا لدور النشر والمؤسسات العلمية، الذي تجاوزت (140) دارا. في حين لم يتجاوز عدد الدور المشاركة في العام الماضي سبعون دارا. اضافة الى تميزه بمشاركة بعض دور النشر التي تهتم بالكتب والمصادر ذات الاختصاص، مثل الكتب العلمية والهندسية والاكاديمية اضافة الى الاجنحة الخاصة بالمراة والطفل ".
واضاف ان " اللجنة التحضيرية للمعرض لم تفرض قيودا على اصحاب دور النشر والمؤسسات بخصوص طبيعة ونوع الكتاب الذي ترغب عرضه بل انها فسحت المجال امام الجميع في عرض الكتب الخاصة بها مما اعطى حرية الاختيار للمواطن " .
اما رئيس ديوان الوقف السني في محافظة البصرة الدكتور (عبد الكريم ناصر الخزرجي) فانه اشار بانه قد اصابته الدهشة حينما رأى المعرض وهو يضم هذا الكم الهائل من المصادر والكتب الثقافية. مشيرا الى أن مدينة البصرة بحاجة الى مثل هكذا معارض، كونها حاضرة الاسلام والمسلمين. مطالبا بضرورة عودة الاصالة العلمية والثقافية للعراق الجديد ليستعيد مجده" .
واضاف الخزرجي بانه "اعجب بمشاركة العتبات المقدسة في هذا المعرض الى جانب الطوائف الاسلامية وغير الاسلامية بشكل متجانس. مؤكدا على ضرورة مشاركة العتبات في جميع المعارض الثقافية باعتبارها منبعا للعطاء الديني والثقافي الى جانب مكانتها المقدسة ".
من جهته أشار مسؤول وفد العتبة الحسينية المقدسة المشارك في المعرض الدولي الى ان مشاركة الامانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة في هذا المعرض المهم تأتي من خلال الاهتمام الكبير الذي توليه الامانة العامة للجوانب الثقافية والمعرفية المتنوعة.
وبين السيد (ميسّر الحكيم) ان جناح العتبة الحسينية المقدسة اولى اهتماما بارزاً بنشر الكتب المنوعة وخصوصا مايتعلق بنشر علوم اهل البيت عليهم السلام، اضافة الى الكتب التاريخية والثقافية والكتب المحققة الصادرة من العتبة.
اما مسؤول شعبة التنسيق والمتابعة في قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة فقال أن " جناح العتبة العباسية المقدسة احتوى على المؤلفات الدينية والثقافية العامة الصادرة من وحدة الدراسات ووحدة الجريدة في شعبة الإعلام في القسم، ومنها ما ينحى نحو التقريب بين أطياف الأمة الإسلامية".
واضاف الأستاذ (أياد أبو طحين) ان " الهدف من المشاركة في هذا المعرض هو لإغناء الثقافة العراقية بالنتاجات المتنوعة. وأيضاً لإبراز جوانب التطوير والتحديث في أقسام العتبة المقدسة، المستحدثة جميعها في المرحلة التالية لسقوط الحقبة الصدامية ".
وحول مشاركة الطائفة المسيحية اشار راعي كنيسة العذراء للسريان الارثوذكس في محافظة البصرة (سمعان كصوص) ان " مشاركتنا في معرض المصطفى الدولي للكتاب في محافظة البصرة الى جانب الاخوة المسلمين من الشيعة والسنة والاخوة الصابئة يجعلنا نشعر بالانسجام والتلاحم مع الجميع " .
واضاف ان " مشاركة الطائفة المسيحية في المعرض دليل عن اننا اذا اختلفنا في الانتماء الديني مع بقية اخواننا من الطوائف الاخرى، فان رابط الاخوة والانتماء للوطن الواحد قد جمعنا ". مبينا انه قد شاهد عددا من المواطنين من مختلف الطوائف يقومون بإقتناء الكتب الخاصة بالطائفة المسيحية والاطلاع عليها. في الوقت الذي قام افراد الطائفة المسيحية بالاطلاع واقتناء بعض المؤلفات للمذاهب الاخرى. وان هذا الامر دليل واضح على الوحدة العراقية بعيدا عن لغة التعصب الديني.
وتابع كصوص حديثه ان " الطائفة المسيحية في محافظة البصرة تسعى حاليا الى اقامة مهرجانات ومعارض تجمع في طياتها الجميع بمختلف طوائفهم ودياناتهم ".
من جهته اكد رئيس المنطقة الجنوبية للصابئة المندائيين الشيخ (رعد الزهيري) على ضرورة اقامة مثل تلك المعارض التي تضم الجميع بمختلف اديانهم قائلا " اننا اليوم بحاجة ماسة للمسامحة فيما بيننا، لفتح ابواب الحوار والجلوس على طاولة واحدة لارساء مبادئ التعايش السلمي. مستشهدا بحديث الامام علي بن ابي طالب عليه السلام (فلا تكن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم كل حين فان الناس على فئتين، اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق).. مبينا ان المذاهب والقوميات ان اختلفت فان مرجعها الى الله سبحانه وتعالى" .
واشاد الزهيري بمعرض المصطفى للكتاب الشامل المقام على ارض جامعة البصرة كونه ضم في جنباته جميع المؤلفات والكتب والدورات العلمية ولجميع الاديان .
وحول مستقبل العراق اشار الشيخ الزهيري باننا " كلنا طموح وأمل في شروق مستقبل زاهر للعراق. مطالبا بتكثيف المصداقية بصورة اكبر لتغيير بعض الافكار التي ولدت نتيجة الحقب الماضية والموروثات الباطلة في الازمنة الغابرة ".
وعلى الصعيد نفسه شهد المعرض اقبالا واسعا للمواطنين على اقتناء المصادر والكتب الثقافية لدور النشر والمؤسسات العلمية الاجنبية والعربية والمحلية. حيث اشار الحاج (قاسم عبد الحسين) مسؤول مكتبة الامام الصادق عليه السلام في النجف الاشرف الى ان " المصاحف بجميع انواعها ودورات التفسير والكتب التاريخية التي تؤرخ حياة اهل البيت عليهم السلام شهدت رواجا واسعا. اضافة الى الدورات والكتب العقائدية. في حين اجمع عدد من مسؤولي المكاتب العلمية الى وجود اقبال واسع على شراء الدورات العلمية بجميع لغاتها وخصوصا اللغة الانكليزية. حيث قال مسؤول الجناح البريطاني (محمد حسن عبد الستار) بأن المعرض البريطاني شارك من خلال (200) عنوان تم التركيز فيها على المؤلفات والكتب التي تهتم بتعليم اللغة الانكليزية والادب الانكليزي والطب والهندسة والادارة والاقتصاد من مصادر بريطانية علمية واكاديمية ". مبينا انه لمس اقبالا واسعا على اقتناء تلك الكتب بصورة اكبر من العام الماضي. موضحا ان الجناح البريطاني سعى الى تخفيض اسعار المصادر بشكل مناسب قياسا بالسوق العراقي.
بدوره اعتبر مختصون محليون بان هذا الاقبال الواسع يعد مؤشر جيد على عودة ازدهار الثقافة العلمية في العراق، بعد ان تم محاربتها من قبل النظام الصدامي البائد طيلة الحقبة الماضية، حيث اشار مسؤول رابطة المثقفين الاسلاميين المستقليين في محافظة البصرة الدكتور (حسين التميمي) الذي استحضر في بدايه حديثه رأي الفلاسفة الذي يشير الى (ان لكل جهد منظم عائد مميز). مبينا ان معرض المصطفى الدولي للكتاب الشامل شهد جهد متميز من جميع الجهات المشاركة. وانه يخطط لمشاركة واسعة للدول الاجنبية. موضحا ان حضور العتبات المقدسة يعتبر بادرة ملفتة للنظر، وهي تقف مع هذا الكم من المؤسسات الثقافية. مشيدا بالإقبال الواسع الذي شهده المعرض طيلة فترة إقامته، رغم المسافة البعيدة بين المعرض المقام على أرض مجمع الكليات في ساحة سعد ومركز المدينة.
واضاف " ان تنوع الكتب بمختلف توجهاتها ودياناتها لايؤثر على الفرد العراقي. وان هذا النسيج عَكسَ للعالم صورة مفادها بأن (العراقيين غير متعصبين تجاه الثقافات الاخرى) ".
وفي ختام المعرض تم توزيع الشهادات التقديرية والدروع على الجهات المشاركة، تثمينا لجهودهم المتميزة في إنجاح المعرض.